الأجداد والأحفاد: رحلة تراثية عبر فنون حفظ السمك بالإمارات

في مهرجان "دبا الحصن للمالح والصيد البحري".. قصة من الماضي تحيا بأيدٍ صغيرة وتعزز هوية الأجيال القادمة
الصورة: SM Ayaz Zakir

الصورة: SM Ayaz Zakir

تاريخ النشر

شهد مهرجان "دبا الحصن للمالح والصيد البحري" بالشارقة، حضوراً ملحوظاً لعائلات إماراتية تحرص على نقل فنون التراث القديم لأبنائها. حيث وقف سعيد الظهوري بين صفوف من الأسماك المملحة، مشيراً إلى المعروضات لأبنائه وأبناء إخوته وبناتهم مساء الخميس. تبع الأطفال الوالد بفضول، معبرين عن انزعاجهم من رائحة السمك القوية. بالنسبة لسعيد، لم يكن إحضار الأطفال مجرد نزهة عائلية، بل كان فرصةً لنقل قصة صمود وأصل وتراث.

قال سعيد: “أريدهم أن يروا ذلك بأعينهم. هذا السمك كان سبب بقاء أجدادنا على قيد الحياة. قبل وجود الثلاجات، كانوا بهذا الشكل يضمنون أن الطعام يدوم لفترات طويلة، إنه جزء من هويتنا.”

يعد المهرجان، الذي تنظمه غرفة تجارة وصناعة الشارقة بالتعاون مع بلدية دبا الحصن، من أبرز الفعاليات التراثية في الإمارات. وجوهرة هذا الحدث هو "المالح" — وهو السمك المحفوظ بالملح وأشعة الشمس فقط، وهي طريقة قديمة شكلت أساس المطبخ والاقتصاد الإماراتي.

تجمع الأطفال حول الحرفيين الإماراتيين الذين عرضوا كيفية لف الحبال من ألياف النخيل، وكيفية تشكيل قوارب الصيد الخشبية لوحًا تلو الآخر، وكيفية ربط الشباك لاصطياد الأسماك. وفي ركن آخر، عرض رجال يرتدون الزي التقليدي كيفية تقطيع السمك الطازج، ووضع طبقات من الملح عليه، وتعبئته بإحكام في حاويات. حيث قال أحد الصيادين إن هذه العملية يمكن أن تحفظ الأسماك لأشهر، وأحيانًا تصل إلى عام.

لاحظ بعض الزوار الصغار بعناية كيفية تقطيع الأسماك، وطرحوا أسئلة على كبار السن. سأل أحد الصبية: "لماذا رائحتها قوية جدًا؟". ابتسم الحرفي وأجاب: "هذه الرائحة هي رائحة التاريخ وأسلافنا. ما دمتم تحفظونها بشكل صحيح، فستدوم حتى الموسم المقبل".

ابتسم سعيد بينما كان أطفاله يطرحون أسئلتهم. قال: "عندما يتعلمون هذا، يدركون معاناة الأجيال السابقة وقوتها. كان أجدادنا صيادين وتجارًا. لم يكن المالح مجرد طعام، بل كان اقتصاد قرى بأكملها".

تذكر الأيام القديمة

كان من بين رواد المهرجان علي بن سعيد الشامسي، وهو إماراتي في الخمسينيات من عمره، يتعلم أساليب حفظ الأسماك منذ صغره. واستحضرت رؤية السمك المملح لديه ذكريات جميلة وهو يتعلم من عمه.

قال علي الذي ينتمي إلى أسرة صيادين: "أتذكر أنني كنت أقف تمامًا مثل هؤلاء الأطفال، أراقب عمي وهو يقطع السمك ويدلكه بالملح. كان يصحبني إلى الشاطئ. نمد السمك تحت الشمس، وكنت أنتظر بفارغ الصبر النوارس التي كانت تحاول دائمًا سرقة قطعة منه."

بالنسبة لعلي، المهرجان هو تذكير بتلك الأيام. مضى قائلاً: "أحضر دائمًا لأنه يربطني بماضي. علمني عمي طريقة صنع المالِح، ولم أنسها أبدًا. ما زلنا نعده كل عام ونحتفظ به في المنزل. إذا تم تخزينه جيدًا، لا يفسد لأشهر."

بالنسبة للعديد من العائلات الإماراتية، يُعدّ المهرجان تقليدًا سنويًا. يسير الآباء والأجداد جنبًا إلى جنب مع الأطفال، حرصًا على ترسيخ معرفتهم بالصيد والمحافظة على التراث والتجارة. أما بالنسبة للأطفال، فيُقدّم لهم هذا الحدث أكثر من مجرد دروس في التاريخ. يقول علي: "إنها فرصة للمس التراث وشمّه وتذوقه".

وأضاف: "كل حبة ملح في هذه السمكة تحكي قصة، وإذا تعلمها الأطفال الآن فلن ينسوها أبدًا. وعندما يكبرون، سيخبرون أطفالهم، تمامًا كما أخبرني عمي".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com