

ابتسام بركات
في عالمٍ تتقاطع فيه الجراح مع الحروف، وتتعانق فيه الذاكرة مع الخيال، تنسج الأديبة الفلسطينية ابتسام بركات عالَمها الإبداعي بخيوط من الحنين والمقاومة. تؤمن أن الكتابة ليست فعلًا لغويًّا فحسب، بل شفاءٌ للروح، واستعادةٌ للكرامة، واحتفاءٌ بالأمل الذي لا ينقطع. من بيت حنانيا في القدس، حيث وُلدت أولى ملامح القصيدة، إلى الولايات المتحدة حيث تقيم اليوم، حملت معها ذاكرتها الفلسطينية كما تُحمل المنافي في القلب، لتغدو كلماتها جسورًا بين طفولةٍ عاشت تحت ظلال الوجع، وحاضرٍ يكتب بمداد الصمود.
تقول بركات إن شغفها باللغة العربية بدأ منذ طفولتها الباكرة، حين كانت تتفيأ ظلال التراث العربي في مسقط رأسها بيت حنانيا، قبل أن تروي عطشها للغات والأدب بدراسة الأدب الإنجليزي في جامعة بيرزيت عام 1986. ومنذ غادرت فلسطين، حملت اللغة معها كزادٍ للحياة، إذ اشتغلت بكل ما يتصل بالكلمة كتابةً وتدريسًا وبحثًا. واليوم، تُدرّس أخلاقيات اللغة في كلية ستيفنز للفنون الأدائية، كما أسست ورشات اكتب(ي) حياتك التي تشجع الأفراد على سرد تجاربهم الإنسانية من زوايا مختلفة، مؤكدة أن «لكل إنسان قصة تستحق أن تُقال، وأن الإبداع الحقيقي هو الذي يمزج بين الخاص والعام ليولد أدبًا حيًّا دافئًا».
بركات تكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وقد تُرجمت أعمالها إلى الفرنسية والإسبانية والهولندية والكورية والفارسية ولغة بريل. ومع اتساع اللغات، بقيت فلسطين حاضرة في قلب نصوصها، فكل جملة عندها تنتمي إلى القدس كما تنتمي إلى الذاكرة. فاز عملها الأخير بوابة القدس الخفية بالجائزة الدولية لأدب الطفل العربي المقدمة من "إي آند"، التي ينظمها المجلس الإماراتي لكتب اليافعين. في هذا العمل تصوغ رحلة خيالية إلى مدينة القدس، تُرى بعين الحنين وتنبض بنور الانتماء، حيث تقول: «الزيارة في الكتاب خيالية، لكنها زيارة القلب والذاكرة، زيارة البوابة التي تقودنا إلى داخل أنفسنا بقدر ما تقودنا إلى القدس». وتراها تجربة كتابية شاقة، لأن كتابة الطفل عندها ليست تبسيطًا، بل إبداعٌ من نوع آخر يتطلب أن تَعرف كيف تفتح قلب القارئ الصغير على الدهشة بدل أن تُثقله بالمواعظ.
وعن أثر الجوائز عليها تقول: «الكاتب حين يكتب لا يفكر في الجوائز، فالكتابة بالنسبة لي مقاومة للجراح وسعي إلى تحويل القبح إلى جمال، هي محاولة كي يتكلم الفن بلغة الروح». لكنها تعترف بأن الجوائز تمثل ما تسميه «الطبطبة» على المبدع؛ لمسة تقدير تُعيد إليه الإيمان وسط زمن قاسٍ. وتضيف بابتسامتها المضيئة: «نحن الفلسطينيين لا نتوقع الفوز، بل الجراح، لكننا نعيد إعمار أنفسنا بالأمل. حين أعلنوا فوزي بالجائزة لبست ثوبي الفلسطيني وزغردت، أردت أن أحتفل بالنور كما أحتفل بالفرح».
ولبركات سجلٌ حافل بالإنجازات الأدبية العالمية؛ فقد نالت جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2020 عن روايتها الفتاة الليلكية، كما حصد كتابها تذوق طعم السماء – طفولة فلسطينية أكثر من 20 جائزة دولية، من بينها جائزة مؤسسة القراءة الدولية عام 2008، وجائزة مجلس الشرق الأوسط، وجائزة الكتاب العربي–الأمريكي المتميز لليافعين، ويُدرَّس اليوم في جامعات ومدارس متعددة في أمريكا والعالم. أما قصتها التاء المربوطة تطير التي فازت بجائزة آنا ليند عام 2011 ضمن مشروع اقرأ في كل مكان، فتمثل أحد أجمل أعمالها الرمزية في أدب الطفل العربي.
وعلى الصعيد الأكاديمي، تواصل بركات حضورها الفاعل في عشرات الجامعات والمؤسسات الثقافية الدولية، من بينها مكتبة نيويورك العامة وجامعة سان فرانسيسكو وجامعة دارتموث، فضلًا عن مشاركتها في مؤتمر الشعر العالمي في فنزويلا ومؤتمر مناهضة العنصرية في جنوب أفريقيا. وقد اختارتها منظمة العفو الدولية للمشاركة في إصدارها العالمي «كتاب حر» احتفاءً بالذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتؤكد بركات أن رسالتها في هذه المحاضرات تدور حول فلسطين والثقافة العربية وحقوق الإنسان، استنادًا إلى قناعة راسخة بأن نهضة الإنسانية لا تتحقق إلا عبر الاحترام المتبادل والحوار الصادق بين الشعوب.
حبها للأطفال جعلها تكرّس جزءًا كبيرًا من وقتها لهم، تقيم ورشات عمل تُحفز خيالهم وتزرع فيهم حب الحكاية واللغة، وتقول: «حين أقرأ للأطفال لا أجلس على مكتب، بل أكون في مستواهم، في عيونهم، لأن الطفل لا ينصت إلا لمن يشاركه عالمه». وتضيف أن أدب الطفل وسيلة استشفاء في عالمٍ عربي مثقل بجراح الطفولة الممتدة من فلسطين إلى لبنان والعراق وليبيا. «أكتب لأشفي الجرح، لأن الاعتراف بالعلة هو أول طريق العلاج»، تقول بابتسامٍ يختلط فيه الحزن بالأمل.
وترى بركات أن الأدب لا يعرف الحدود بين الكبير والصغير، فهو بحر ينهل منه الجميع على اختلاف أعمارهم؛ «في الماضي كانت العائلة كلها تستمع إلى القصة نفسها، فيفهمها الكبير بطريقة والطفل بطريقة أخرى، لكن كليهما يعيشها. الأدب مثل الماء والشمس، يمنح الحياة لكل من يقترب منه». لذلك فهي لا تعتبر نفسها متخصصة في أدب الطفل، بل كاتبة للإنسان، أيًا كان عمره، تكتب بلغةٍ عذبةٍ سهلةٍ في ظاهرها، عميقةٍ في باطنها، قادرة على أن تلمس وجدان القارئ مثل لحنٍ قديم لا يشيخ.
وعن أقرب أعمالها إلى قلبها تقول دون تردد: «بوابة القدس الخفية». تعترف بأنها كلما قرأته تبكي، لأنها كتبته وهي تبكي. «الكتاب يفتح في قلبي بوابة للذاكرة والحنين، كأنني أكتب عن القدس لأتذكر نفسي، لأربي في داخلي الأمل كما قال محمود درويش: نربي الأمل».
أما عن شعورها بالانتماء بعد حصولها على الجنسية الأمريكية فتؤكد بلا تردد: «لم يحدث أن شعرت بازدواج الهوية. جذوري ما زالت في القدس. حين جئت إلى الولايات المتحدة كنت أعلم أن العالم لا يسمع صوت الفلسطيني، فقررت أن أقول هذا الصوت بلغتي، لكن بأسلوبٍ يناسب ثقافتهم. أعيش اليوم جزءًا من المجتمع الأمريكي، أعمل في التعليم وأشارك في الحياة الثقافية وأكتب كتبًا تُدرَّس في المدارس الأمريكية، لكن جذوري تظل في فلسطين، هناك نَبَتت حكايتي، وهناك ما زال قلبي».
تمثل ابتسام بركات جسرًا بين الثقافتين العربية والغربية، تُخاطب العالم بقلمها المجبول على المحبة، وتُعرّف الإنسان بالإنسان. في كل كتابٍ لها رسالة، وفي كل رسالة نافذة على الأمل. من تذوق طعم السماء إلى بوابة القدس الخفية، تبقى كلماتها نوافذ مفتوحة نحو الوطن، ومرايا تعكس وجه الإنسان حين يختار أن يقاوم بالكتابة لا بالسلاح، وبالضوء لا بالدموع.