

صورة أرشيفية تستخدم لأغراض توضيحية
تؤدي السهرات المتأخرة، والاستخدام المستمر للشاشات، والاتصال بالإنترنت على مدار الساعة إلى إعادة تشكيل الروتين اليومي في أبوظبي بهدوء. لكن خبراء الصحة يحذرون الآن من أن النوم، الذي طالما عُومل كخيار نمط حياة شخصي، بدأ يبرز كقضية صحة عامة، مع تزايد الأدلة التي تربط قلة النوم بتحديات الصحة العقلية، والأمراض المزمنة، وتراجع جودة الحياة في المجتمع.
وتقول السلطات الصحية إن حجم الحرمان من النوم يعني أنه لم يعد من الممكن النظر إليه كقضية فردية؛ بدلاً من ذلك، يتم التعامل معه بشكل متزايد كتحدٍ صحي على مستوى السكان يؤثر على الإنتاجية والرفاهية والنتائج الصحية طويلة المدى.
وتسلط البيانات الوطنية الحديثة الضوء على مدى حجم المشكلة؛ حيث وجدت دراسة أجريت عام 2024 أن ما يقرب من 30 في المائة من البالغين في دولة الإمارات يعانون من الحرمان من النوم، وكان المتأثرون أكثر عرضة للإبلاغ عن نوبات صداع متكررة، وانخفاض الحالة المزاجية، وأعراض مرتبطة بالاكتئاب. وبين الفئات العمرية الأصغر، وخاصة طلاب الجامعات، أظهرت الأبحاث باستمرار جودة نوم رديئة، وأوقات نوم غير منتظمة، ومستويات عالية من التعب خلال النهار، وغالباً ما يرتبط ذلك باستخدام الشاشات في وقت متأخر من الليل وعدم اتساق الروتين اليومي.
ويحذر خبراء الصحة من أن عواقب قلة النوم تتجاوز مجرد الشعور بالتعب؛ حيث تم ربط أنماط النوم المضطربة بالقلق، والسمنة، وضعف المناعة، وتراجع الأداء في العمل والتعليم. ويعد التعرض الطويل للشاشات، وجداول العمل غير المنتظمة، وضغوط نمط الحياة الحديثة من بين العوامل الرئيسية المساهمة في قلة النوم في البيئات الحضرية.
ومن منظور الصحة العامة، فإن القلق يتجاوز الإرهاق الفردي؛ فالحرمان من النوم يؤثر على كيفية تفكير الناس، وأكلهم، وحركتهم، وتكيفهم مع التوتر، وهي سلوكيات تلعب دوراً حيوياً في الصحة المستدامة.
وقالت الدكتورة شريفة خميس المزروعي، مديرة قسم تعزيز الصحة في مركز أبوظبي للصحة العامة: "النوم هو أحد الركائز الأساسية للصحة الوقائية. عندما يضطرب النوم لفترات طويلة، فإنه يؤثر على الصحة النفسية، وصحة التمثيل الغذائي (الأيض)، وجودة الحياة بشكل عام".
وأضافت أن التعامل مع النوم كقضية ثانوية لم يعد فعالاً: "قلة النوم المستمرة تبدأ في تشكيل السلوكيات اليومية، من خيارات الطعام إلى مستويات النشاط البدني وإدارة التوتر، وهذا له تداعيات واضحة على الصحة العامة".
ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
تعزز الأبحاث الدولية هذه المخاوف؛ حيث أظهرت الدراسات طويلة المدى أن النوم المستمر لمدة خمس ساعات أو أقل في الليلة يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض مزمنة في وقت لاحق من العمر، بما في ذلك السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والاكتئاب. وتواصل وكالات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم ربط عدم كفاية النوم بارتفاع معدلات السمنة واضطرابات الصحة العقلية.
كما يشير الخبراء إلى "تأثير متسلسل" ناتج عن قلة النوم؛ فقد ارتبط عدم الحصول على قسط كافٍ من الراحة بانخفاض النشاط البدني، وزيادة الاعتماد على الأطعمة الجاهزة عالية الطاقة، وارتفاع مستويات التوتر، مما يخلق دورات قد يكون من الصعب عكسها دون وعي ودعم مبكرين.
وقالت الدكتورة المزروعي: "غالباً ما نرى النوم في مركز نمط أوسع؛ عندما يتأثر النوم، تميل السلوكيات الصحية الأخرى إلى التراجع أيضاً".
تقليدياً، لم تكن مشاكل النوم تُعالج إلا بمجرد أن تبدأ في التداخل مع أداء المهام اليومية. ومع ذلك، تشهد استراتيجية الصحة في أبوظبي تحولاً متزايداً نحو الوقاية، مع التركيز على تشجيع الروتين الصحي قبل أن يصبح التدخل الطبي ضرورياً.
ويقر هذا النهج بأن صحة النوم لا تتشكل فقط من خلال البيولوجيا، بل أيضاً من خلال العادات والبيئات اليومية، بما في ذلك السلوك الرقمي، والتغذية، والنشاط البدني، وإدارة التوتر.
وقالت الدكتورة المزروعي: "تحسين نتائج النوم يتطلب أكثر من مجرد تقديم النصائح. يحتاج الناس إلى تجارب عملية ميسرة تساعدهم على فهم عاداتهم الخاصة وإجراء تغييرات صغيرة ومستدامة".
وتقول السلطات الصحية إن هذا النهج الذي تقوده الوقاية يتوافق مع الجهود الأوسع لتقليل عبء الأمراض المزمنة وتحسين جودة الحياة لجميع السكان.
يتم تأطير دعم النوم الصحي بشكل متزايد كجهد جماعي؛ حيث يلعب مقدمو الرعاية الصحية، وشركات الأغذية والتغذية، والمنظمات الرياضية، والمخططون الحضريون دوراً في تشكيل البيئات التي تدعم الروتين الصحي.
وفي جميع أنحاء أبوظبي، تقوم المؤسسات بدمج النوم في برامج الرفاهية والوقاية الأوسع. ويقوم مقدمو الرعاية الصحية بدمج تقييمات النوم في الإدارة الصحية المبكرة، بينما تواصل المبادرات التي تركز على التغذية تعزيز دور الأنظمة الغذائية المتوازنة والترطيب في الرفاهية العامة. كما تتوسع البنية التحتية للرياضة المجتمعية لزيادة فرص الوصول إلى النشاط البدني، والذي يقول الخبراء إنه مرتبط بشكل وثيق بتحسين جودة النوم.
وقالت الدكتورة المزروعي: "النوم لا يوجد بمعزل عن غيره، إنه مرتبط بشكل وثيق بكيفية عيش الناس لحياتهم اليومية".
تم إيصال هذه الرسائل مباشرة إلى المجتمعات من خلال مبادرات مثل "مهرجان الصحة"، وهو منصة عامة في أبوظبي مصممة لترجمة العلوم الصحية إلى تجارب عملية يومية.
عُقد المهرجان في مواقع متعددة في جميع أنحاء الإمارة، بما في ذلك جزيرة الحديريات، وحديقة مدينة زايد في الظفرة، وحديقة الجاهلي في العين، وقدم ورش عمل تفاعلية ومناقشات قادها خبراء استكشفوا كيفية ارتباط النوم بالصحة النفسية والحركة والتغذية. وتم تشجيع السكان والعائلات على التفكير في روتينهم الخاص واتخاذ خطوات بسيطة لتحسين النوم كجزء من نمط حياة صحي.