

في رحاب معرض الشارقة الدولي للكتاب، تتجلى الكتب بأبهى حُللها، مُتجاوزة وظيفتها المعرفية لتُصبح أيقونات بصرية آسرة. ففي ركنٍ تشع منه الأنوار، ويُنسج فيه الإبداع، يرتفع جناح «أدبنا بروح العصر» كمنصة مضمخة بالحياة، تُمزج فيها قامة الحرف بهمسة اللون، وتتداخل ظلال السرد مع إشراقة التكوين.
هذه المبادرة، التي أطلقتها "هوية الشارقة" بجرأة فنية، ليست مجرد تجديد لكسوة؛ بل هي بيان صريح يُعيد للأدب العربي ملامحه البصرية المفقودة، ويضخ في شرايين أغلفته القديمة نبضاً من الدهشة المعاصرة. إنها رؤية تُقر بأن النص الأصيل، بجلاله وعمقه، يتطلب غلافاً خالداً يعادل ثقله الروحي والفكري، ليغدو بذلك الغلاف مرآة مضيئة تعكس عمق المحتوى وتجذب إليه عيون العصر وقلوبه.
جاءت المبادرة كنداءٍ فني لإحياء كلاسيكيات الأدب العربي المنسية، عبر إعادة تصميم أغلفة عشرين كتاباً خالداً بلمسة معاصرة تجمع ببراعة بين احترام الأصل وجرأة التجديد. لم تعد الأغلفة هنا مجرد حراسة صامتة للنص، بل هي امتدادٌ له، تُكمل لغته بألوانها وإيقاعاتها وتفتح أبوابه على قارئٍ جديد يرى الجمال بعينه قبل أن يقرأه بقلبه. في هذا الجناح، تتجاور الطبعات الأصلية مع نظيراتها المعاد تصميمها، في حوارٍ بصريّ يعكس تحوّل الذائقة، ويطرح سؤالاً عميقاً عن علاقة الجمال بالزمن وقدرة الفن على تجديد العمر الأدبي.
من الأعمال التي استعادت حضورها البهي:
«باب الشمس» لإلياس خوري.
«الأجنحة المتكسرة» لجبران خليل جبران.
«رجال في الشمس» لغسان كنفاني.
«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف.
«دعاء الكروان» لطه حسين.
«رباعيات الخيام» التي احتفظت بنكهتها الشعرية الخالدة وإن ارتدت ثوباً جديداً.
استقطبت المبادرة أكثر من مئة مشاركة فنية من الفنانين والمصممين الشباب العرب، مما يعكس شغف الجيل الجديد بتراثه المكتوب ورغبته في تقديمه برؤية معاصرة. وقد تولى تصميم خمسة أغلفة رئيسية نخبة من المصممين المحترفين: كندة غنوم، نورة زيد، عائشة الحمراني، إبراهيم زكي، وناصر نصر الله، الذين نسج كلٌّ منهم رؤيته الخاصة بين الحرف واللون والرمز، ليمزجوا بين أصالة السرد وحداثة التعبير البصري.
ولأن الفن لا يعيش في الفراغ، يحتضن الجناح ورش عمل تفاعلية تفتح أبواب الخيال أمام الزوار والفنانين الشباب، لتكون امتداداً للتجربة وليست هامشاً لها. تبدأ نورة زيد بورشة «إلهام من التراث: تجسيد الحكايات العربية» التي تحوّل التراث إلى مصدر إبداعي معاصر. تقود كندة غنوم المشاركين في «رحلة بين الخط والزخرفة»، لتكشف كيف تتحول الرموز العربية إلى أنماط فنية حديثة تنبض بالحداثة دون أن تفقد أصالتها. تفتح عائشة الحمراني بوابة السرد الشخصي في «غلاف يروي حكايتك»، حيث يكتشف المشاركون كيف يمكن تحويل تجاربهم الذاتية إلى صور تنطق بالمشاعر. يقدم إبراهيم زكي في ورشة «إعادة تصميم الغلاف بروح الخط العربي والهوية الأصيلة» درساً في الجماليات البصرية للخط العربي كفن يحكي القصة بلغة الشكل والإيقاع. ويأخذ منار اللحّام الزوار إلى عالم الحركة والانفعال في «وجوه تحت العدسة: فن رسم الشخصيات»، حيث تتحول الملامح إلى مرآة للعاطفة.
ليست مبادرة «أدبنا بروح العصر» مجرد مشروع تجميلي للأغلفة، بل هي إعادة إحياء للحوار بين الفن والسرد، بين الجيل الجديد وتراثه المكتوب. إنها تهدف إلى إثبات أن الأدب العربي لا يشيخ، بل يتجدد كلما مسّته يد الجمال والابتكار، مقدمة شهادة حية على أن قوة النص تُعززها قوة الصورة في العصر الحديث. الكتاب لم يعد مجرد صفحات تُقرأ، بل عمل فني يُرى ويُحسّ ويُتأمل، حيث يلتقي الأدب بالفن، والحرف باللون، والخيال بالتاريخ.