من جيل التأسيس إلى قمم المناخ.. حكاية دبلوماسي إماراتي يرى المهنة "واجباً وطنياً"

رؤية إماراتية تدمج المصالح الوطنية بالاستقرار العالمي وتحول النصوص إلى واقع ملموس.
محادثات المناخ تدور حول تشكيل أنظمة تستمر إلى ما بعد الدورات الانتخابية والعناوين السياسية

محادثات المناخ تدور حول تشكيل أنظمة تستمر إلى ما بعد الدورات الانتخابية والعناوين السياسية

تاريخ النشر

تعتبر مفاوضات المناخ أكثر من مجرد أهداف للانبعاثات أو إعلانات مؤتمرات؛ فهي تنطوي على المصالح الوطنية، والمرونة الاقتصادية، والاستقرار العالمي طويل الأمد، وهي قضايا تهم الدولة بشكل عميق، بحسب ما صرح به الدبلوماسي الإماراتي أحمد بن عبد الرحمن الغردقة في مقابلة مع صحيفة "خليج تايمز".

يقول الغردقة: "انجذبتُ إلى دبلوماسية المناخ لأنها تقع في نقطة التقاء القانون، والعلاقات الدولية، والمصالح الوطنية، والاستقرار العالمي طويل الأمد".

"تغير المناخ ليس موضوعاً ذا مسألة واحدة؛ فهو يؤثر على النظم الغذائية، والأمن المائي، والمرونة الاقتصادية، والاستقرار الإقليمي. والعمل في هذا المجال يتطلب دقة قانونية وبعد نظر استراتيجي وطني".

ابق على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.

دبلوماسية المناخ

بصفته دبلوماسياً ورئيساً لقسم دبلوماسية المناخ وشؤون الاستدامة في وزارة الخارجية الإماراتية، والمفاوض الرئيسي والمستشار القانوني الأقدم لرئاسة مؤتمر الأطراف COP28، كان الغردقة في قلب المفاوضات العالمية التي استضافتها الدولة على أرضها.

وهو يؤمن بأن دبلوماسية المناخ هي أحد المجالات القليلة التي يمكن فيها "للغة القانونية التقنية أن تؤثر على نتائج تمسّ أجيالاً بأكملها". وبالنسبة لدولة مثل الإمارات العربية المتحدة، التي توازن بين ريادة الطاقة والتنويع الاقتصادي وأهداف الاستدامة، فإن تلك اللغة القانونية تترجم إلى سياسات وتمويل وتنفيذ.

ويضيف: "إن الرؤية الاستشرافية لرئيس الدولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، التي تؤكد على المرونة والاستقلال الاستراتيجي والاستثمار طويل الأمد في رأس المال البشري، تعزز هذا المنظور. إن ما يستمر في تحفيزي هو الإدراك بأن مفاوضات اليوم تشكل نتائج للأجيال القادمة".

رسالته واضحة: محادثات المناخ تتعلق بصياغة أنظمة تدوم لما بعد الدورات الانتخابية والعناوين السياسية.

من الإرث العائلي إلى المفاوضات العالمية

إن مسيرة الغردقة في الدبلوماسية هي مسيرة شخصية عميقة أيضاً؛ فقد نشأ وهو يشاهد والده يخدم خلال السنوات التأسيسية للدبلوماسية الإماراتية، مساهماً في إنشاء البعثات والعلاقات في الخارج.

يقول: "نشأتُ وأنا أرى الدبلوماسية لا كمهنة، بل كواجب وطني. كان والدي من بين الجيل الأول من الإماراتيين الذين حملوا مسؤولية تمثيل بلادنا في الخارج خلال سنواتها الدبلوماسية التأسيسية".

وفي المنزل، يذكر أن والدته غرست فيه قيم المرونة والتواضع، وهي القيم التي توجهه في المحافل العالمية عالية المخاطر.

وفي دولة الإمارات، يرى قيادة الشباب لا كفعل انقطاع بل كاستمرارية، قائلاً: "القادة الشباب لم يعودوا مجرد مراقبين في الدبلوماسية، بل هم مساهمون... ومع ذلك، فإن قيادة الشباب في الدبلوماسية لا تتعلق بالسرعة أو الإحداث تغيير جذري مفاجئ، بل تتعلق بالمسؤولية".

وقد وُضعت هذه المسؤولية تحت الاختبار خلال قمة المناخ التي استضافتها الإمارات، حيث جمعت المفاوضات دولاً ذات أولويات متباينة تماماً.

ويوضح: "الجانب الأكثر تحدياً هو إدارة التقارب بين واقع وطني مختلف جوهرياً. مفاوضات المناخ ليست نقاشات بيئية بحتة، بل هي حوارات اقتصادية وتنموية وجيوسياسية، وفي بعض الأحيان تكون عاطفية بعمق".

ويضيف: "أما الجانب الأكثر مكافأة فهو رؤية كيف يمكن للتوافق، حتى وإن كان هشاً، أن يطلق زخماً عالمياً حقيقياً ويترجم إلى أطر قرار تتيح التنفيذ".

بينما يرى الجمهور غالباً الاتفاقيات النهائية والعناوين الرئيسية، يسلط الغردقة الضوء على أن العمل الحقيقي يحدث بهدوء، سطراً بسطر.

"ما يراه الجمهور غالباً هو الإعلانات والبيانات النهائية. ما لا يروه هو سنوات من الصياغة الفنية، والمراجعة القانونية، والتنسيق بين أصحاب المصلحة، والدبلوماسية الهادئة التي تسبقها، بما في ذلك التفاوض سطراً بسطر على المصطلحات والتعاريف وترتيبات الحوكمة".

ويضيف أن التعقيد لا يكمن في الخلاف، بل في الاستدامة: "التعقيد ليس في عدم الاتفاق، بل في التوصل إلى اتفاق مستدام وقابل للتنفيذ والتمويل، وصامد عبر الدورات السياسية والاقتصادية".

ويشير إلى أن أحد أوضح الأمثلة هو هيكلية تمويل المناخ، وهو مجال حيوي للدول الضعيفة وللثقة العالمية.

العمل الخفي وراء الإعلانات

بينما يرى الجمهور غالبًا الاتفاقيات النهائية والعناوين الرئيسية، يسلط الغردقة الضوء على أن العمل الحقيقي يحدث بهدوء، سطرًا بسطر.

“ما يراه الجمهور غالبًا هو الإعلانات والتصريحات النهائية. ما لا يرونه هو سنوات من الصياغة الفنية، والمراجعة القانونية، وتنسيق أصحاب المصلحة، والدبلوماسية الهادئة التي تسبقها، بما في ذلك التفاوض سطرًا بسطر على الشروط والتعاريف وترتيبات الحوكمة.”

ويضيف أن التعقيد لا يكمن في الخلاف، بل في الاستدامة: "التعقيد ليس في عدم الاتفاق، بل في التوصل إلى اتفاق مستدام وقابل للتنفيذ والتمويل، وصامد عبر الدورات السياسية والاقتصادية".

“التعقيد ليس في الخلاف. إنه في تحقيق اتفاق دائم قابل للتنفيذ والتمويل ومرن عبر الدورات السياسية والاقتصادية.”

ويشير إلى أن أحد أوضح الأمثلة هو هيكلية تمويل المناخ، وهو مجال حيوي للدول الضعيفة وللثقة العالمية.

"قد تبدو الدبلوماسية مجردة، لكنها تشكل بشكل مباشر كيفية تحرك الموارد، وكيفية الموافقة على المشاريع، وكيفية عمل آليات المساءلة. النصوص المتفاوض عليها تحدد كيف يتم هيكلة الأموال وإدارتها وصرفها".

ويشير إلى أن الأطر القانونية المصممة جيداً يمكن أن تفتح الباب لنشر الطاقة المتجددة، ومبادرات خفض غاز الميثان، والبنية التحتية للمرونة، مما يترجم النص الدبلوماسي إلى تسليم واقعي على الأرض.

رسالة إلى طلاب الإمارات

يعد الغردقة خريج جامعة سوربون أبوظبي، ويعزو الفضل في تدريبه الأكاديمي إلى ترسيخ التفكير المنطقي والقانون الدولي لديه.

"في جامعتي، كان التركيز على الانضباط التحليلي، والقانون الدولي، والمنظور العالمي تكوينياً بالنسبة لي. لقد نمّى ذلك القدرة على التنقل عبر الأطر المعقدة وفهم كيفية تفاعل الأنظمة القانونية عبر الولايات القضائية المختلفة".

وبالنسبة للطلاب في الإمارات الذين يأملون في دخول السلك الدبلوماسي، فإن نصيحته عملية ومنضبطة: "أولاً، طوّروا واتقنوا الجوهر والمحتوى قبل الظهور. فالدبلوماسية تتطلب كفاءة فنية. ثانياً، تحلوا بالصبر؛ فالمفاوضات تتكشف على مدى سنوات وليس أياماً".

وفوق كل شيء، يحث الشباب الإماراتي على ربط الطموح بالخدمة: "ثالثاً، ثبّتوا طموحكم وغايتكم في الخدمة... المسؤولية هي التعامل مع تلك الفرص بجدية ونزاهة، وتمثيل الدولة بانضباط واحترام للمهام المؤسسية".

بالنسبة للغردقة، فإن دبلوماسية المناخ تتلخص في نهاية المطاف في كلمة واحدة: "دبلوماسية المناخ هي في الأساس تتعلق بالثقة. الثقة بين الدول، الثقة بين الأجيال، والثقة بين السياسة والتنفيذ".

وكشاب إماراتي يمثل بلاده على الساحة العالمية، يرى نفسه جزءاً من سلالة، يحمل إلى الأمام الجسور التي بناها الأجيال السابقة، قائلاً: "مسؤوليتي هي المضي قدماً في ذلك الطريق بكل نزاهة".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com