

منصور بن محمد بن راشد يقدم كأس بطولة العالم للجولف إلى مات فيتزباتريك الذي حقق فوزًا مثيرًا في المباراة الفاصلة على روري ماكلروي في عقارات جميرا للجولف يوم الأحد. - صورة من بطولة العالم للجولف/ ريتشارد هيثكوت
لطالما كانت دبي مسرحاً لبعض اللحظات التي لا تُنسى في الرياضة الحديثة. في عام 2006، حقق تايغر وودز تعافياً رائعاً من المنطقة الوعرة في الحفرة 18 ليفرض مباراة فاصلة ضد إيرني إلس في "كلاسيك دبي ديزرت" (Dubai Desert Classic)، ليحقق الانتصار في النهاية، ويزيد من هيبة رياضة الغولف في الشرق الأوسط.
قبل ثلاث سنوات فقط، شهد مشجعو التنس إحدى اللحظات الأكثر رمزية في بطولات دبي للتنس عندما فاز روجر فيدرر بلقبه رقم 100 في مسيرته الفردية في بطولات دبي للتنس الحرة في مارس 2019، متغلباً على ستيفانوس تسيتسيباس في النهائي.
وفي سباقات الخيل، التي طالما احتُفل بها كرياضة الشيوخ، استضافت دبي بعض اللحظات الأكثر إثارة في الذاكرة الحديثة، ولعل أبرزها عندما اندفع حصان يُدعى "أروغيت" من المركز الأخير إلى الأول في كأس دبي العالمي بقيمة 10 ملايين دولار في ميدان، وهو أداء جسد شغف المدينة بالدراما الرياضية.
بطلان، واحترام واحد: فيتزباتريك وماكلروي يحتفلان بالروح الرياضية في جميرا للغولف إستيتس. - صورة: بطولة موانئ دبي العالمية. تصوير: ريتشارد هيثكوت
مساء الأحد، أضافت دبي فصلاً آخر لا يُنسى إلى تاريخها الرياضي حيث استضافت "جميرا للغولف إستيتس" (JGE) بطولة موانئ دبي العالمية، وهي ختام "السباق إلى دبي" المرموق. وقدمت نهاية كالقصص الخيالية: مباراة فاصلة درامية بين اثنين من أكثر اللاعبين إثارة في جولة موانئ دبي العالمية، روري ماكلروي ومات فيتزباتريك، مباراة اختبرت أعصاب المنافسين الاستراتيجيين ودقة الغولف لديهما إلى أقصى حد.
ومع ذلك، انتهى عام ماكلروي الملحمي بطريقة محطمة للقلوب. فبعد أن أبدع وسجل "إيغل" في الحفرة 18 ليفرض المباراة الفاصلة، أدت تسديدة خاطئة من منصة الانطلاق سقطت في الماء إلى فوز فيتزباتريك، الذي وضع الكرة على بعد ثلاثة أقدام وسجل ضربة التعادل (par putt) ليحسم الانتصار، مكرراً انتصاراته لعامي 2016 و 2020.
جاء عزاء ماكلروي في ضمان لقب "السباق إلى دبي" للمرة السابعة على التوالي، مما رسخ مكانته كأفضل لاعب في أوروبا لهذا العام، إلى جانب الانتصارات في بطولة الماسترز (حيث أكمل مسيرته الكبرى "Grand Slam")، وبطولة اللاعبين (The Players Championship)، والبطولة الأيرلندية المفتوحة، بالإضافة إلى مساعدة "الفريق الأوروبي" على الفوز بكأس رايدر خارج أرضه.
الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية لدولة الإمارات ورئيس مجلس دبي الرياضي، يقدم كأس "السباق إلى دبي" لروري ماكلروي، الفائز في منافسة النقاط الموسمية لجولة موانئ دبي العالمية. – صورة: بطولة موانئ دبي العالمية. تصوير: روس كينيرد
بانتصاره الأخير، ينتقل ماكلروي إلى المركز الثاني في قائمة أكثر الألقاب في "السباق إلى دبي" (التي كانت تُعرف سابقاً باسم "ترتيب الجدارة")، متخلفاً بلقب واحد فقط عن الأسطورة الاسكتلندي كولين مونتغمري، الذي يحمل ثمانية ألقاب. ويقترب منه فقط الإسباني العظيم سيف باليستيروس بستة ألقاب.
تقع "جميرا للغولف إستيتس" في جنوب غرب دبي، وتشغل أكثر من 1,100 هكتار من الصحراء التي تم تحويلها. فبعد أن كانت منطقة هادئة من الكثبان الرملية والنتوءات الصخرية، تم تطوير المنطقة لتصبح مجتمع غولف وسكني عالمي المستوى ترتكز على ملعبي "النار" و"الأرض"، وكلاهما صممه أسطورة الغولف الأسترالي غريغ نورمان.
في هذه البوتقة الرياضية، تتكشف بطولة موانئ دبي العالمية. منذ إنشائها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت "جميرا للغولف إستيتس" وجهة رئيسية في جولة موانئ دبي العالمية، وتشتهر بممراتها العشبية الواسعة، والمخابئ الموضوعة استراتيجياً، وحفرها النهائية التي تدفع باستمرار أفضل لاعبي اللعبة إلى أقصى حدودهم. هنا تُكتب قصص الانتصار وانكسار القلوب.
معركة ملحمية أخرى تتكشف في جميرا للغولف إستيتس، مسرح لأفضل لاعبي الغولف. - صورة: بطولة موانئ دبي العالمية. تصوير: ريتشارد هيثكوت
وصل فيتزباتريك إلى دبي وهو على موجة من الأداء المتميز في نهاية الموسم. وينحدر الإنجليزي، القادم من شيفيلد، إنجلترا، وقد اكتشف الغولف لأول مرة في نادي هالامشاير للغولف، وهو ملعب متواضع وعاصف غرس فيه المرونة التي أصبحت سمة مميزة للعبته.
في الجولة، يتتبع نومه، ومقاييس تأرجحه، بل ويحتفظ بملاحظات مكتوبة بخط اليد حول كل تسديدة، سعياً لتحقيق "مكاسب 1%" تدريجية. وقد حوله تفانيه، جنباً إلى جنب مع أخلاقيات الممارسة الصارمة، إلى واحد من أكثر المنافسين منهجية في اللعبة.
في المقابل، يحمل ماكلروي ارتباطاً شخصياً عميقاً بدبي. فعلى الرغم من ولادته في أيرلندا الشمالية، إلا أنه أمضى أربع سنوات تكوينية في العيش في "نخلة جميرا". وقد وصف دبي، التي تُعرف كمركز عالمي للرياضة، حيث تزدهر المرافق ذات المستوى العالمي جنباً إلى جنب مع خط السماء الذي يرتفع كل عام، بأنها "بيته بعيداً عن البيت".
تلك الفترة ما بين 1997 و 2001 شكلت نهج ماكلروي المنضبط وأخلاقيات العمل لديه، وصقلت منافساً يمزج الأهداف العالمية بموقف متواضع.
كانت الجولة النهائية لبطولة موانئ دبي العالمية مشحونة بسرد متوتر. قبل انطلاق المباراة، تحدث ماكلروي مع كارمن بوتين، الزوجة السابقة لسيف باليستيروس. وروى: "أخبرتني بمدى فخره (سيف) بي".
"أن أُعادل (باليستيروس) العام الماضي كان أمراً رائعاً، ولكن أن أتجاوزه هذا العام، نعم، لم أصل إلى هذا الحد في أحلامي، لذا فهو شعور رائع جداً".
وبينما سجل فيتزباتريك مجموع 18 تحت المعدل مع جولة ثانية متتالية بـ 6 ضربات تحت المعدل (66)، وجد ماكلروي نفسه متأخراً ببضع ضربات متجهاً إلى الحفرة 18. لكنه أنتج لحظة من التألق عندما كانت الحاجة إليها ماسة. فبعد القيادة على الممر العشبي الضيق الأيمن، سدد بـ 5-Wood لمسافة 234 ياردة إلى 15 قدماً وسجل ضربة "إيغل" ليفرض مباراة فاصلة.
قال فيتزباتريك، معترفاً بقدرة منافسه المذهلة على البطولة المتأخرة: "بأسلوبه المعتاد، فعلها روري مرة أخرى".
لكن المباراة الفاصلة آلت إلى الإنجليزي، الذي كانت زوجته، كاثرين غال، تشاهد من خلف الحبال.
وعلّق ماكلروي على الحفرة النهائية قائلاً: "لقد ضربت الكرة في الماء هناك في الحفرة 18 في المباراة الفاصلة، مما وضعني في مأزق. لكني سعيد لمات. لقد حظي بنهاية رائعة للموسم، ولعب بشكل رائع ليدخل فريق كأس رايدر، ومنذ ذلك الحين واصل نجاحه". كان تقييم فيتزباتريك الخاص لما يعنيه الانتصار مدروساً. قال: "لقد كافحت في بداية هذا العام، ومن الواضح أن تحويل الأمور في الصيف كما فعلت والحصول على كأس رايدر كما فعلت، كان أمراً رائعاً". وأضاف: "لكن الطريقة التي لعبت بها اليوم، كما تعلمون، أشعر أنني لم أرتكب أي تسديدة سيئة طوال اليوم. أنا فخور جداً بنفسي وبالجهد الذي يبذله الجميع خلف الكواليس. نعم، يا له من شعور. يا له من شعور". في نهاية المطاف، "السباق إلى دبي" هو أكثر من مجرد سعي على مدار الموسم للحصول على نقاط قيمة؛ إنه ساحة اختبار لأفضل لاعبي الغولف. ويُعد انتصار فيتزباتريك في المباراة الفاصلة ولقب ماكلروي السابع في "السباق إلى دبي" بمثابة تذكير بهيبة البطولة والدراما الدائمة التي لا يمكن أن تقدمها إلا دبي. إنه مسرح لا مثيل له.