تجمع السحور في قرية رماح
مع حلول الليل في قرية رماح، تدب الحياة في روح رمضان بما يتجاوز الصلاة والصيام. ففي كل مساء، بعد الإفطار وقبل الفجر، يفتح أحد المنازل أبوابه لاستضافة المجتمع بأكمله لتناول وجبة السحور، وهو تقليد متوارث بالتدوير أصبح يمثل قلب الشهر الفضيل.
في القرية الصغيرة التي تُدعى "رماح" بمدينة العين، يتحول السحور إلى تجمع يومي ينتقل من منزل إلى آخر، ليجمع العائلات وكبار السن والأطفال معاً. تمتد المحادثات حتى الساعات الأولى من الصباح، ويملأ الضحك المجالس، ويتواصل الجيران مجدداً في أجواء من الكرم والانتماء. بالنسبة للسكان، تذكرهم هذه المائدة المشتركة بأن رمضان يدور حول الوحدة بقدر ما يدور حول العبادة.
يقول خميس الخيلي، الذي وُلد ونشأ في القرية، إن هذا العرف متجذر بعمق في هوية المجتمع: "نحن نفعل ذلك منذ التسعينيات. آباؤنا هم من بدأوا هذا التقليد، ونريد له أن يستمر لفترة طويلة. نريد لأطفالنا أن يتعلموا كيف يجتمع الناس في هذه القرية".
وبالنسبة للخيلي وكثيرين غيره، فإن التجمع لا يقتصر أبداً على الطعام؛ بل يحافظ على جوهر حياة القرية حيث تبقى الأبواب مفتوحة، والجيران مقربون، ولا يشعر أحد بأنه غريب.
بينما يتغير المضيف كل ليلة، تظل الأجواء كما هي؛ يتبادل الرجال القصص في المجلس، وتتعاون النساء في تحضير وترتيب الوجبة معاً، ويشهد الأطفال الوحدة في أبهى صورها. تستمر الضحكات حتى الساعات الأولى قبل صلاة الفجر، ويكون الشعور بالانتماء واضحاً وجلياً.
تقول مريم الخيلي إن الاستعدادات لشهر رمضان تبدأ مبكراً، حيث تنسق العائلات وتخطط معاً: "كل عام نستعد لرمضان كجسد واحد. وخلال الشهر، لا يشعر أحد بالوحدة هنا؛ الجميع جزء من هذا التجمع".
وتضيف أن نظام المداورة يعزز المسؤولية المشتركة، مما يسمح لكل عائلة بالمساهمة والاعتزاز باستضافة المجتمع.
بعد انتهاء التجمع، تقوم النساء بفرز الطعام المتبقي الذي لم يُلمس، والتأكد من نظافته وحفظه بشكل سليم قبل تعبئته في صناديق. ثم يتم توزيع هذه الوجبات على عمال المزارع والأسر ذات الدخل المحدود في المنطقة المجاورة، وهو عمل خيري يومي أصبح جزءاً أساسياً من التقليد. وأوضحت مريم: "نحرص على أن يكون الطعام نظيفاً ومعداً جيداً. إنهم يعلمون أنه في كل يوم من أيام رمضان، سيصلهم سحور طازج".
وعلى مر السنين، أصبح المتلقون يعتمدون على هذه التوصيلات الليلية، مما يعزز أواصر الصلة بين القرية ومن يحيط بها.
بالنسبة لـ "عبير"، التي تتطوع كل عام لتوزيع الوجبات، فإن هذا التوزيع هو الجزء الأكثر أهمية في رمضان. وقالت: "في كل عام، أذهب لتوزيع الطعام على المحتاجين ومن ليس لديهم عائلات يتناولون السحور معها. عندما ترى السعادة في أعينهم، تشعر أننا حقاً قرية واحدة. تشعر وكأننا أصبحنا جميعاً عائلة واحدة".
وتصف لحظة تسليم الطعام بأنها بسيطة لكنها قوية، وهي تذكير بأن الأفعال الصغيرة يمكن أن تترك أثراً عميقاً.