

لم تكن عقارب الساعة وحدها هي من يضبط إيقاع انتظار الإفطار في مساء دبي، ففي ساحة "الوصل" بمدينة إكسبو، كما في "برج خليفة" و"جي بي آر"، كانت العيون شاخصة نحو فوهات المدافع السوداء المهيبة، والآذان تترقب تلك اللحظة التي يمتزج فيها عبق التاريخ بهيبة الزي العسكري لشرطة دبي.
ومع اقتراب الشمس من مغيبها، تحولت مواقع مدافع الإفطار إلى مغناطيس بشري جذب العائلات من مواطنين ومقيمين وزوار، في مشهد تجاوز كونه "إيذاناً بالطعام" ليصبح تظاهرة اجتماعية توثقها عدسات الهواتف وضحكات الأطفال.
حكاية جيلين
على مقربة من المدفع الثابت، يقف الوالد سلطان عادل محتضناً حفيده الصغير. يقول بنبرة ملؤها الحنين: "كنا قديماً ننتظر صوت المدفع عبر الراديو، أما اليوم فأنا أحضر أحفادي ليروا هيبة الميدان بأعينهم. شرطة دبي لم تحفظ الأمن فقط، بل حفظت لنا جزءاً من روحنا وهويتنا في هذا التقليد الذي لا يشيب".
كرنفال "الرحال"
لم تكتفِ شرطة دبي بالمدافع الثابتة الستة، بل أطلقت "المدفع الرحال" الذي طاف في عروق الإمارة، من حدائق زعبيل والبرشاء وصولاً إلى رمال لهباب ومرغم. هذا التنقل منح الفعالية صبغة "الكرنفال الشعبي"، حيث يترقب سكان كل منطقة وصول "ضيفهم السنوي" بفارغ الصبر.
تقول سارة ميريل، مقيمة بريطانية: "إنه أمر مذهل! لم أرَ قط في حياتي سلاحاً يثير الفرح بدلاً من الخوف. الجميع هنا يبتسم، الصغار يغطون آذانهم بضحك، والكبار يستعدون لتبادل التمر والمباركات. هذا هو جوهر دبي الذي نعشقه".
أكثر من مجرد قذيفة
بالنسبة لشرطة دبي، الفعالية ليست مجرد مهمة بروتوكولية، بل هي جسر تواصل إنساني، فالمدافع المتوزعة في (دبي فيستيفال سيتي، داماك هيلز، وغيرها) تحولت إلى نقاط التقاء ثقافي، حيث يجتمع الغريب والقريب في لحظة صمت تسبق "الدويّ" الذي يعقبه "الله أكبر".
ويصف أحمد صالح المشهد بقوله: "متابعة إطلاق المدفع تمنح الإفطار طعماً مختلفاً، خاصة للأبناء. هي لحظة تذكرنا بالبساطة، وبالقيم التي تربينا عليها، إنها صوت دبي الأصيل في شهر الخير".
ومع انطلاق القذيفة الصوتية وتصاعد دخانها الأبيض في سماء دبي، تفرق الجمع والابتسامة تعلو الوجوه، لتبدأ رحلة البحث عن "المدفع" في محطته القادمة، حاملاً معه حكاية جديدة من حكايات "دار الحي".