سفرة رمضان.. بين "سكينة الروح" وضجيج "الاستهلاك الاجتماعي"

ماراثون العزومات يغتال فلسفة البساطة ويحول "اللقمة الهنية" إلى استعراض للأصناف والحلويات.
تصوير: غراس تاج الدين

تصوير: غراس تاج الدين

تاريخ النشر

مع دقات ساعة الغروب، تنطلق في كل بيت رمضاني ملحمة صامتة بين رغبة الروح في الترفع، ونداء الجسد الجامح نحو التعويض، فبالرغم من أن رمضان يُطل علينا كـ "هدنة سنوية" تمنح أجهزتنا الحيوية استراحة من سموم الطعام والسكريات، إلا أن المشهد خلف أبواب المطابخ وفي أروقة الأسواق يكشف واقعاً مغايراً؛ حيث تتحول "عقلية الندرة" إلى انفجار شرائي، وتتحول مائدة الإفطار من طقس ديني بسيط إلى مهرجان استهلاكي تملي شروطه العادات الاجتماعية وضغوط "العزومات".

فخ "الصورة الاجتماعية": هل نطبخ للضيوف أم للسمعة؟

خلف طوابير الشراء الطويلة وازدحام الموائد، يقبع سبب خفي لا علاقة له بالجوع، وهو "الضغط الاجتماعي". فالكثير من العائلات تجد نفسها مدفوعة لملء المائدة ليس تلبية لحاجة الجسد، بل تلبية لتوقعات المجتمع.

<div class="paragraphs"><p>منة خلف</p></div>

منة خلف

وتقول منَة خلف "في مجتمعاتنا، رمضان يعني العزومات، ولا يمكنك تقديم صنف واحد أو اثنين لأنك ستشعر بالخجل الشديد إذا لم تكن المائدة عامرة، نحن في الحقيقة لا نشتري لأنفسنا فقط، بل نشتري من أجل 'الصورة الاجتماعية' التي يفرضها علينا المحيط، الكرم في رمضان ارتبط بصرياً بكثرة الأصناف، وهذا يضغط على ميزانيتنا وأجسادنا."

<div class="paragraphs"><p>سورة مشتهى</p></div>

سورة مشتهى

 أجواء رمضانية

وتقول سورة مشتهى "يجب ألا نغفل أن إعداد سفرة متنوعة هو جزء من 'ابتكار الجو الرمضاني'، فهذه الطقوس تعزز الشعور بالأمان النفسي والانتماء، المشكلة ليست في تنوع الأطباق، بل في 'الإفراط' الذي يؤدي للهدر. الاعتدال يسمح لنا بالاستمتاع بهذا الدفء الأسري دون أن نفقد فوائد الصيام الصحية."

<div class="paragraphs"><p>السيد محمد</p></div>

السيد محمد

ويرى السيد محمد أن في رمضان لا نطبخ لأنفسنا فقط فجدول العزومات مزدحم دائماً، ويقول: "عندما تجتمع العائلة الكبيرة أو الأصدقاء، لا يمكن الاكتفاء بأصناف محدودة. الشعور بـ 'واجب الضيافة' يدفعنا لشراء كميات مضاعفة من الطعام والحلويات، والمشكلة أن استهلاكنا في هذه الجمعات يتضاعف بسبب الأجواء المشجعة على الأكل، وقد يؤدي ذلك للحروج من رمضان بوزن زائد وميزانية مستنزفة."

في مقابل صخب الأسواق وازدحام الموائد بالأصناف اللامتناهية، برز الفكر الذي يدعو إلى العودة لـ "جوهر الصيام"، معتبراً أن قيمة الشهر لا تُقاس بعدد الأطباق، بل بمقدار السكينة التي تخيم على البيت والروح.

العين تأكل قبل المعدة

وتقول سامية محمد للأسف حينما أتوجه للسوبرماركت لشراء القليل من الحاجيات، وأكون جائعة، يخدعني عقلي، وتغريني أصناف المأكولات على الأرفف، ولهذا أشتري الكثير من المشتريات التي لا أحتاجها، لأعود للمنزل وتتكدس الأشياء، وينتهي الكثير منها إلى القمامة للأسف.

إبطاء الإيقاع: ثورة "الهدوء" على المائدة

<div class="paragraphs"><p>سارة الحاف</p></div>

سارة الحاف

وتقول سارة الحاف: "رمضان بالنسبة لنا هو فرصة لنُبطئ إيقاعنا، لا في حياتنا فحسب، بل حتى على مائدة الإفطار. نحن نختار عن قصد تهدئة الأجواء وتبسيط الأطباق، لنمنح أنفسنا مساحة من السكينة المفقودة وسط ضجيج التحضيرات المبالغ فيها، ليست العبرة أبداً بكثرة الأصناف، بل بحضور البركة والشعور الحقيقي بالامتنان. إنه الوقت المثالي للعودة إلى البساطة، واختيار الاعتدال كمنهج حياة بدل المبالغة التي تشتت الذهن وتُثقل الجسد."

رحلة في دهاليز "الدماغ الصائم"

بينما يُفترض أن يكون شهر رمضان محطة لـ "الضبط والسيطرة"، يجد الكثيرون أنفسهم أمام مفارقة محيرة؛ فبمجرد انطلاق مدفع الإفطار، تتحول السكينة إلى "انفجار" في الشهية، وتتحول الموائد إلى ساحات لتعويض نفسي لا ينتهي. فهل نحن أمام جوع حقيقي، أم أن عقولنا تمارس علينا نوعاً من "الخديعة النفسية"؟

<div class="paragraphs"><p>ليلى دمشقية أخصائية تغذية علاجية.</p></div>

ليلى دمشقية أخصائية تغذية علاجية.

تؤكد ليلى دمشقية أخصائية تغذية علاجية في عيادة أمان للعافية أن ضرورة التمييز بين "الجوع العضوي" و"الجوع العاطفي"، بيولوجياً، وتقول: "من الطبيعي أن يبحث الجسم عن طاقة سريعة بعد انخفاض السكر، لكن الاندفاع الزائد ليس مجرد استجابة فسيولوجية، بل هو نتاج "عقلية المنع". فعندما يترجم العقل الصيام كإحساس بالحرمان، يتحول الإفطار من تلبية حاجة جسدية إلى 'لحظة مكافأة'، هذا المزيج بين الجوع الحقيقي والرغبة في التعويض العاطفي هو ما يُفقدنا التوازن.

طمأنت دمشقية الصائمين بأن "شراهة رمضان" لا تُصنف طبياً كاضطراب أكل دائم، طالما أنها مرتبطة بالموسم وتختفي بانتهاء الشهر، إنها استجابة عاطفية مؤقتة لنمط حياة استثنائي وتجمعات اجتماعية مكثفة، ومع ذلك، حذرت من أن رمضان قد "يكشف" عن علاقة غير متوازنة مع الطعام لمن يعانون أصلاً من اضطرابات سابقة، حيث يعمل الضغط الموسمي كمحفز لبروز تلك المشكلات.

وتفسر أخصائية التغذية ظاهرة "هوس الشراء" قبل المغرب بما يسمى "عقلية الندرة"، فعندما يشعر الدماغ بالحرمان المؤقت، يبدأ في تضخيم التوقعات ونسج تصورات خيالية عما سيأكله وهي:

  • تشوهات معرفية: أفكار مثل "أستحق كل شيء" توجه قراراتنا الشرائية.

  • وهم السيطرة: شراء الطعام يمنح الصائم شعوراً مؤقتاً بالطمأنينة والسيطرة على الحرمان، لنكتشف بعد الإفطار أن حاجتنا الفعلية كانت أقل بكثير مما كدسناه في العربات.

لماذا السكر تحديداً؟

تشرح دمشقية أن الدوبامين يرتبط بالتوقع أكثر من الاستهلاك. طوال النهار، يقوم الدماغ ببناء "ذروة دوبامينية" من خلال تخيل الحلويات. وعند الإفطار، يبحث الدماغ عن أسرع وسيلة لتنشيط مراكز المكافأة، فيجد في السكريات الوقود السريع لتحقيق ذلك الرضا الفوري، وإن كان مؤقتاً.

أما العزومات والتجمعات، فبالعادة يحتاج الدماغ إلى 20 دقيقة ليرسل إشارة الشبع، لكن في "العزومات" واللمات الكبيرة، تضيع هذه الإشارات وسط التحفيز البصري المتمثل في الموائد المتنوعة لتُبقي الشهية في حالة استنفار، والميل للأكل لفترة أطول للمجاملة الاجتماعية، كما أن طول الجلسة ينتج عنه بقاء الطعام في بؤرة الانتباه مما يجعل الاستجابة له أسهل من الاستجابة لنداء الجسد الداخلي.

وتخلص أخصائية التغذية العلاجية إلى أن الحل لا يكمن في "جلد الذات"، بل في استعادة المعنى الأصلي للصيام من خلال "الأكل الواعي". الصيام هو دعوة للإصغاء لنداء الجسد الحقيقي وسط الضجيج الاجتماعي، والتعامل مع الإفطار كفعل توازن، لا كمكافأة على حرمان، فكلما ازداد فهمنا للعلاقة بين النفس والجسد، اقتربنا أكثر من المعنى الحقيقي للصيام، التدرج، الهدوء، والوعي."

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com