

قبل ساعة من غروب الشمس، يتجمع المتنزهون عند نقطة انطلاق المسار الجبلي حاملين حقائب الظهر بدلاً من طاولات الطعام. ومع اقتراب موعد الأذان، يكونون قد تعمقوا في قلب الجبال، مستعدين لكسر صيامهم معاً بالتمر والماء والوجبات المشتركة.
يقول المتنزهون إن بساطة هذه اللحظة تجسد الجوهر الحقيقي لرمضان؛ الكرم، والتأمل، والترابط، بعيداً عن ملهيات الحياة اليومية.
بالنسبة لمجموعات التنزه المنظمة (Hiking) في جميع أنحاء الإمارات، أصبح رمضان أحد أكثر أوقات السنة أهمية للتواجد في الهواء الطلق؛ ليس "رغم" الصيام، بل "بسببه". وقال محمد الكعبي، مؤسس فريق "مغامرات الإمارات" (UAE Adventures Team)، إن المجموعة تنظم رحلات إفطار رسمية منذ خمس سنوات، تطورت من نزهات غير رسمية بين الأصدقاء إلى أنشطة مهيكلة تعطي الأولوية لكل من السلامة والممارسة الدينية.
ابقَ على اطلاع بآخر الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
وأوضح الكعبي: "نقدم عدة خيارات خلال رمضان، لأن الصيام لا يمر على الجميع بنفس الطريقة". يتضمن أحد الأشكال تجمع المشاركين بعد الإفطار، وأداء الصلاة معاً في جماعة، ثم البدء في التنزه حوالي الساعة 9 مساءً. وأضاف: "يقوم أحدنا بدور الإمام، وهذا أمر مهم جداً لاستحضار الروح الدينية لشعائر رمضان".
ويتضمن خيار آخر الالتقاء في وقت مبكر من الظهيرة للقيام برحلة خفيفة، وكسر الصيام على الجبل بطعام بسيط لـ "تهدئة الجوع"، قبل النزول وتناول وجبة كاملة في وقت لاحق من المساء. وتنتهي بعض الرحلات تماماً قبل المغرب، حيث يتوجه المشاركون إلى مطعم قريب للإفطار معاً، بينما تقام رحلات أخرى قبل السحور، حيث يأكل المتنزهون عند القمة قبل التوجه نزولاً.
وقال الكعبي: "الجزء الأهم هو الشعور بالروح الدينية لرمضان". وأشار إلى أنه بينما يفضل بعض المتنزهين "الساعة الذهبية" قبل غروب الشمس، إلا أن الوقت الأكثر شعبية يميل لأن يكون بعد صلاة التراويح. وأضاف: "بعد الساعة 10 مساءً، تصبح جميع المسارات ممتلئة. يمتلك الناس طاقة أكبر، ويكون من الأسهل عليهم بذل الجهد بأمان".
هذا التحول في التوقيت ينعكس على مجتمع الهواة في الهواء الطلق في الإمارات.
وفي مجموعة "أوت دورزي" للمغامرات (Outdoorzy Adventures)، قال المؤسس علاء مسعود إن المجموعة تقدم تجربتين محددتين لرمضان، كلاهما مصمم ليكون متاحاً وشاملاً. التجربة الأولى هي رحلة إفطار مجانية، تتراوح شدتها بين الخفيفة والمتوسطة، تقام في مناطق تتيح للمشاركين مشاهدة غروب الشمس وسماع الأذان. وقال مسعود: "نستهدف الأماكن التي يمكن لجميع المستويات الوصول إليها"، مضيفاً أن المجموعة غالباً ما تختار "صخرة الأحفور" (Fossil Rock) في مليحة بسبب مناظرها البانورامية.
ويكسر المتنزهون صيامهم بالماء والتمر ووجبات خفيفة قبل النزول والتوجه إلى مطعم قريب لتناول إفطار كامل. وقال مسعود: "يقلق البعض من التنزه أثناء الصيام، لكننا نوضح أنها رحلة بسيطة، ونحافظ على وتيرة خفيفة لتجنب الإرهاق".
وأضاف أن المشاركين غير الصائمين ينضمون أيضاً، ويحرصون على عدم شرب الماء أمام الصائمين. ولأسباب تتعلق بالسلامة، يتم تحديد عدد المجموعات بـ 25 إلى 30 شخصاً، خاصة وأن النزول يتم بعد حلول الظلام. كما تنظم "أوت دورزي" إفطارات "مشاركة الطعام" (Potluck) في الطبيعة، عادة في الصحراء بين أبوظبي ودبي، مما يسمح للأعضاء من مختلف الإمارات بالتجمع في مكان واحد.
بالنسبة ليوسف العباسي، مؤسس "غراسب ذا أدفنتشر" (Grasp the Adventure)، فإن جاذبية رحلات الإفطار تكمن في الشعور العميق بالانفصال عن صخب الحياة الذي توفره، والاتصال الإنساني الذي يليه. وقال: "بدأت رحلات الإفطار لدينا في عام 2023، عندما بدأ الشهر الفضيل يتزامن مع موسم الشتاء الجميل في الإمارات".
وأضاف العباسي: "منحني التنزه الجبلي الفرصة للانفصال حقاً عن حياتنا المزدحمة؛ التلوث البصري والسمعي، ضغوط العمل، الضغوط الاجتماعية، وكل ما بينهما".
تبدأ رحلات "غراسب" عادة قبل ساعة من الإفطار، مع تخصيص وقت للتعارف وإحاطات السلامة قبل انطلاق المشاركين. وعندما تغرب الشمس، تتوقف المجموعة؛ أحياناً بجانب بركة في وادي (كانيون)، وأحياناً عند "سرج" جبلي يطل على السلسلة الممتدة أمامهم.
وقال العباسي: "هنا نختبر الجوهر الحقيقي لرمضان. وقبل أن تدرك، تجد نفسك تأكل تمرة مررها لك أحدهم، أو تجد كيساً من اللوز في حضنك. تتقاسم شطيرتك مع شخص ما، وتتلقى في المقابل قطعة فاكهة من آخر".
بعد الصلاة معاً، تواصل المجموعة التنزه لمدة ساعتين أخريين، قبل إنهاء الليلة بحفل شواء للسحور في الجبال. وأضاف: "التجربة ساحرة، نغادر دائماً ونحن نشعر بالنشاط والدفء والارتباط العميق بمجتمعنا".
وبينما يكون الإقبال خلال رمضان أقل قليلاً من المعتاد بسبب الصيام، يقول المنظمون إن الذين يحضرون ينجذبون لشيء أعمق من اللياقة البدنية. فبعيداً عن المطاعم والهواتف وأضواء المدينة، توفر رحلات الإفطار الجبلية وقفة نادرة؛ فرصة لكسر الصيام في صمت، وتقاسم الطعام مع الغرباء، ومشاهدة السماء وهي تغير ألوانها معاً. وبالنسبة للكثيرين، هذه البساطة هي الهدف بحد ذاته.