

بول لينش
قبل ظهوره في معرض الشارقة الدولي للكتاب، يتحدث الكاتب الإيرلندي بول لينش عن روايته الفائزة بجائزة بوكر لعام 2023 بعنوان "نشيد النبي" (Prophet Song)، التي لا تزال موضوعاتها تُحدث صدى واسعاً حتى اليوم.
ما التجربة الحقيقية للاستبداد؟ يمكن للقارئ أن يلمح وجهاً منها في رواية الكاتب الإيرلندي بول لينش "نشيد النبي"، الفائزة بجائزة بوكر للعام 2023، حيث تتجسّد مشاعر الخوف والعجز والكآبة الطاغية، في عالم يتحوّل فيه الخوف إلى نمط حياة يومي، حتى يصبح جزءاً من الذات. وقبيل مشاركته في معرض الشارقة الدولي للكتاب، تحدّث لينش لمجلة "سيتي تايمز" عن تجربته في مرافقة شخصيات عمله وموضوعاته التي بقيت ترافقه طويلاً بعد أن خُلدت على صفحات الكتاب. وفي ما يلي مقتطفات من الحوار المحرر معه:
روايتك "نشيد النبي" تدور حول كيفية تسلل السلطوية إلى تفاصيل الحياة اليومية. ما الذي ألهمك لكتابتها في المقام الأول؟
عندما بدأت كتابة هذا الكتاب، كنت أفكر في فوضى عالمنا الحديث. كيف أن الديمقراطيات الليبرالية الغربية لم تعد مستقرة كما كنا نظن ذات يوم. وكيف أن عدداً من البلدان الأوروبية شهدت انتقالاً واضحاً نحو اليمين السياسي. كما فكّرت في رد فعلنا تجاه محنة اللاجئين السوريين الذين تدفقوا إلى أوروبا، وفي الأزمات الإنسانية التي تتكرر في أنحاء مختلفة من العالم، والتي ستتفاقم أكثر مع تغيّر المناخ. أردت أن أعرف إلى أين يمكن أن يقودنا كل ذلك. "نشيد النبي" هو كتاب يسعى أيضاً إلى التعبير عن رعبنا المعاصر بطريقة مشابهة لما فعله بيكيت أو كافكا في زمنهما.
أعمالك تتركز في الغالب على السياق الإيرلندي. أين يقف الأدب الإيرلندي في سياق الأدب العالمي؟
الأدب الإيرلندي يضم نصيبه من كبار المبدعين، ونحن، في اللغة الإنجليزية، نحتل مكانة مركزية في الأدب العالمي. كتّاب مثل ييتس وجويس وبيكيت غيّروا اللغة والشكل إلى الأبد. إننا، نحن الكتّاب الإيرلنديون، مباركون بل ومبتلون بقدر ما، لأننا نأتي في أعقاب هؤلاء العمالقة. وإذا كان لدينا ما يمكن تسميته "قوة سرّية"، فأظنها تنبع من حقيقة أن الإنجليزية ليست لغتنا التاريخية، ومع ذلك سعينا إلى جعلها لغتنا الخاصة. لقد استعمرنا من قبل الإنكليز، لكننا، في المقابل، استعمرنا لغتهم أيضاً. إن اصطدام الإنجليزية بالبنية النحوية المختلفة للّغة الإيرلندية منحها لوناً وشكلاً جديدين.
في أوقات الشحن السياسي، ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الكاتب؟
لا أستطيع أن أتحدث إلا كروائي، ومن وجهة نظري، فإن دور الأدب الجاد يتمثل في صياغة الأسئلة بدقة. فالرواية لا تُكتب لإصلاح العالم، بل لتحمل الشهادة عليه. المسرح الإنساني مليء بالتناقضات المذهلة؛ فنحن نعيش كبشر ونحن نعتقد أننا كائنات عقلانية تماماً، ولكننا في الحقيقة نحمل في أعماقنا ميراثاً تطورياً يجعلنا غير عقلانيين إلى حد بعيد. كل واحد منا يضم بداخله الهاوية والإلهي. وتحت ظروف معينة، يمكن لتلك الهاوية أن تنفتح، ومن هناك يبدأ طريق القمع والذبح وجرائم الحرب والإبادة.
ومع ذلك، نظل نتوق إلى "الملائكة الأفضل" في طبيعتنا. فالحضارة هي المثال الأعلى، لكن الغرائز القبلية لا تزال هي الأصل. ولهذا السبب نحن نخلق ونهدم، نضطهد ونحمي، ونعيش يومياً صراعاً بين العقلانية واللاعقلانية داخلنا. وهذا بالضبط ما يجعل الإنسان كائناً تراجيدياً، ولماذا يبقى الأدب ضرورة. فكل إنسان هو كون من الإحساس والإمكان، والأدب في جوهره يدور حول هذه المعضلة: كيف نتعرف إلى معاناة الآخرين ووجودهم الحقيقي؟ الأدب يعيدنا إلى جوهر هذا السؤال.
كيف أثّر عملك السابق كناقد سينمائي على أسلوبك في السرد؟
خيالي بصري للغاية، وغالباً ما أكتب وكأنني أشاهد فيلماً أمامي. خلال عملي كناقد سينمائي في الصحف، إذ كتبت أكثر من ألف مراجعة، تعلّمت الكثير عن بنية السرد وفن الحكاية. حتى أكثر الأفلام غموضاً وتجريبية لديها ما ترويه، وتلك هي المهارة التي نقلتها إلى عملي الروائي. ثمة من يظن أن على الروائي الجاد لكي يعبّر عن اغترابه الحقيقي أن يتخلى عن عنصر الحكاية، لكن هذه فكرة عبثية تماماً. فالأديب العظيم بحق هو الذي يستطيع أن يختزل ثقل الكون داخل بساطة قصة تنبض بالحياة. الوصول إلى حكاية مكتملة وصادقة يحتاج جهداً ومهارة بالغين، ولدي شعور بأن أولئك الذين يخشون السرد هم ببساطة من يعجزون عن رواية قصة متقنة.
هناك نوع من الصمت يسري في "نشيد النبي". كيف تستخدم الصمت كأداة سردية؟
أعتبر الصمت جزءاً من إشكالية المجهول. فحين تتأمل الأمر، تدرك أن الواقع هو كل ما لا نعرفه أو لا يمكننا معرفته. رواياتي تتضمن ما لم يُقل وما لا يُقال ولا يمكن قوله أو سماعه، أي ما هو مجهول لنا. أنا مهتم بمشكلة "العمى الفلسفي": كيف نتحرك في الحياة ونحن نتصرف بثقة، بينما نحصد دوماً نتائج غير متوقعة؟ نحن نبني واقعنا على أساس معتقداتنا، لكن الحقيقة أننا لا نعرف تقريباً إلا القليل جداً. ودور الأدب هو أن يجعلك تسمع هذا الصمت، لتجد في جهلنا عزاءً ما. وما هو غير المرئي أو المتجاوز لفهمنا يرتبط في الفلسفة بفكرة "السامي"، وهناك تكمن مشاعر الرهبة والخوف.
تحدثتَ عن إعادة كتابة أعمالك أحياناً. كيف تعرف أن الرواية قد اكتملت فعلاً؟
يصعب تفسير ذلك، لكنك تعرفها عندما تعرفها. هناك ما يسمى في الفلسفة "مبدأ السبب الكافي"، أي أن يكون كل شيء في مكانه الصحيح لسبب وجيه. وأنا أميل إلى هذا المبدأ: يجب أن يرتبط كل عنصر في الرواية بالمعنى، لذلك أعمل دوماً على تصفية النص حتى أصل إلى ما هو جوهري. ومع ذلك، كما قالت فرجينيا وولف يوماً، "الأسلوب هو الإيقاع"، وأنا أقضي وقتاً طويلاً في صقل إيقاع كتابتي، لأن المعنى يكمن داخل الإيقاع ذاته، فالإيقاع هو إحساس الحياة وهي تتكشف أمامنا.
قلت إن الخوف عنصر أساسي في كتابة "نشيد النبي". كيف تكتب عن الخوف بشكل لا ينفّر القارئ؟
أنا لست مهتماً بالخوف أو الظلمة لذاتهما. ما يجذبني هو الكوابيس والمناظر المقلقة، لأن الكابوس ليس خيالاً، بل انعكاس للحياة. "نشيد النبي" يحاول أن يتلمّس شيئاً جوهرياً في التجربة الإنسانية، أن يكشف حقيقة عن معنى أن تكون إنساناً في هذا العالم المنبوذ. مراراً أعود إلى سؤال واحد: ما مقدار "الإنسانية" التي يحملها الإنسان بداخله؟
في "نشيد النبي"، لم أكن مهتماً بانهيار الأنظمة بوصفه مشهداً مثيراً، بل أردت للرواية أن تكون شديدة الواقعية، أن يُحس القارئ بها كما لو أنه يعيشها فعلياً، وأن يشعر بعمق الرعب المتسلل إليها، لكي نختبر نوعاً من التعاطف الجذري مع الشخصية الرئيسية "إيليش ستاك" ونُدرك التكلفة الإنسانية للأحداث. هذا ليس أدباً سياسياً، بل هو تأمل وجودي يأخذ القارئ إلى عمق الخوف والفزع. كل جملة في الرواية تنبع من حقيقة ما، وآمل أن يثق القارئ بتلك الحقيقة ويجد فيها معنى ضرورياً. بطريق ما، يمكن للأدب أن يعمل كمرآة "ميدوسا"؛ فهو يسمح لنا بالنظر إلى الرعب دون أن يتحولنا إلى حجر.
ماذا يُغيّر الفوز بجائزة بوكر في نفسك ككاتب؟
لا أستطيع القول إنه غيّرني كثيراً من الداخل. فعندما أجلس لبدء كتابة عمل جديد، وأنظر إلى الصفحة البيضاء، أشعر بالعجز ذاته الذي كنت أشعر به عندما بدأت مسيرتي ككاتب، ولن يتغير ذلك أبداً. لكن الاعتراف بعملي كان أمراً مهماً وأضفى طمأنينة داخلية. المشكلة الأساسية في الفوز ببوكر هي أنها تبعدك عن الكتابة، لقد تحدثت عن "نشيد النبي" على مدار عامين ونصف العام، وهي مدة طويلة لأي كاتب بعيداً عن مكتبه. لكن لحسن الحظ، عدت الآن في الغالب إلى العمل على رواية جديدة.