"ليالي مقتنيات دبي" ترسم ملامح المشهد الفني 2026

"رسم خرائط الذاكرة" يجمع رواد الفن الحديث والمعاصر في مكتبة الصفا للفنون ضمن نموذج عالمي فريد للأرشفة والإتاحة
"ليالي مقتنيات دبي" ترسم ملامح المشهد الفني 2026
تاريخ النشر

تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وبشراكة استراتيجية بين هيئة الثقافة والفنون في دبي "دبي للثقافة" ومجموعة "آرت دبي"، انطلقت الدورة الرابعة من فعالية "ليالي مقتنيات دبي" لعام 2026، لتقدم تجربة فنية استثنائية تعيد صياغة العلاقة بين الجمهور والمجموعات الفنية الخاصة. وتأتي نسخة هذا العام، التي تستمر حتى الثامن من مارس، كأكثر الدورات طموحاً منذ إطلاق المبادرة في عام 2021، حيث تتوزع فعالياتها في أنحاء المدينة مع التركيز على مكتبة الصفا للفنون والتصميم كمركز رئيسي لهذا الحراك الثقافي.

وتتجسد الرؤية الفنية لهذا العام تحت شعار "رسم خرائط الذاكرة: مناظر طبيعية في تحوّل وهندسيات المخيّلة"، وهو الموضوع الذي يسعى إلى استكشاف السرديات المتنوعة والتحولات الجمالية التي توثقها مقتنيات دبي بوصفها أول مجموعة مؤسسية عامة للفن الحديث والمعاصر في الإمارة. ولا تقتصر هذه الفعالية على كونها عرضاً فنياً، بل هي دعوة مفتوحة للتأمل في كيفية تحول العمل الفني من ملكية خاصة داخل المنازل إلى جزء من الذاكرة الثقافية الجماعية، مما يرسخ مفهوم الاقتناء كمسؤولية حضارية ورعاية للثقافة الوطنية.

أكدت منى فيصل القرق، رئيسة اللجنة التنظيمية في مقتنيات دبي والمدير التنفيذي لقطاع المتاحف والتراث في دبي للثقافة، أن هذه الفعالية تتجاوز كونها عرضاً فنياً لتصبح جسراً يربط الجمهور بنسيج المدينة. وقالت القرق:"تمثل 'ليالي مقتنيات دبي' دعوة للجمهور لاستكشاف المجموعة كما تتجلى في نسيج المدينة، عبر المنازل والاستوديوهات ومؤسسات التعليم. إن تأسيس المجموعة جاء ليتيح للأعمال المحفوظة ضمن مجموعات خاصة المساهمة في تشكيل ذاكرة ثقافية جماعية، ومن خلال هذه اللقاءات، يتحول الاقتناء إلى ممارسة واعية للمسؤولية والرعاية الثقافية، بما يجعل الماضي والحاضر في تفاعل نقدي حي ومستمر."

ويبرز معرض "في تآلف"، الذي تقيمه القيّمة الفنية جمانة عباس، كجوهرة التاج في برنامج هذا العام، حيث يفتتح أبوابه في ملحق المعارض بمكتبة الصفا للفنون والتصميم، ليقدم قراءة بصرية عميقة لمفاهيم التجريد، ويضم المعرض نخبة من رواد الفن من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا، وفي مقدمتهم الفنان الإماراتي الراحل حسن شريف، والفنانة سامية حلبي، ورنا بيجوم، والنحات شوقي شوكيني. وتؤكد جمانة عباس أن المعرض ليس مجرد لغة بصرية، بل هو إطار لاستعادة الذاكرة واستشعار المناظر الطبيعية التي نعيشها، حيث تحمل المواد والأشكال آثار الأمكنة وتفتح آفاقاً لسيناريوهات مكانية جديدة.

من الغرف المغلقة إلى الفضاء الرقمي والعام

خلف كواليس هذا الحراك الفني، تكشف جمانة عباس، القيمة الفنية في "مقتنيات دبي"، عن الجوهر الابتكاري للمبادرة، موضحةً أن "مقتنيات دبي" ليست مجرد مخزن للأعمال، بل هي أول مجموعة مؤسسية في المدينة تُبني بسواعد ورعاة مرتبطين وجدانياً بدبي. وتشير عباس إلى أن القيمة الحقيقية تكمن في كسر حاجز "عدم الرؤية"؛ فبينما تكتفي كبرى المتاحف العالمية بعرض عدد محدود فقط من مخزونها، تتبنى دبي نموذجاً يتيح لأكثر من 1,200 عمل فني، قدمها أكثر من 100 راعٍ، أن تكون حاضرة ومتاحة للجميع عبر المنصة الرقمية dubaicollection.ae.

وتضيف عباس أن المجموعة تفتخر بضم مقتنيات خاصة ونادرة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وصاحبة السمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، حيث يزدان المعرض الحالي بلوحة للفنان مصطفى فتحي من مجموعة سموه، وعمل للفنان الإسباني سانتياغو من مجموعة سمو الشيخة لطيفة، مما يعكس الدعم القيادي اللامحدود لتعزيز الهوية الثقافية للمدينة.

استدامة الحوار الفني والأرشفة السيادية

وفي سياق متصل، تؤكد سوسي ديكيجان رئيس إدارة مقتنيات دبي: أن النسخة الرابعة من "ليالي مقتنيات دبي" تمثل نقلة نوعية من حيث المحتوى والزمن، إذ تم تمديد البرنامج ليصبح أسبوعين بدلاً من أسبوع واحد، لتفادي تكثيف الفعاليات ومنح الجمهور فرصة أعمق للتواصل مع الفن. وتوضح ديكيجان أن البرنامج يتجاوز فكرة العرض البصري ليشمل:

  1. جولات تخصصية: يقودها منسقون فنيون لشرح أبعاد الأعمال.

  2. حلقات نقاشية: تركز على محاور استراتيجية هي (أهمية الجمع، آليات الأرشفة والتوثيق، والممارسات التنسيقية الحديثة).

  3. ورش تفاعلية: تستهدف كافة الفئات العمرية، بما في ذلك برامج مخصصة للأطفال لغرس التذوق الفني منذ الصغر.

تمكين الفنان الإماراتي ومنظومة الإعارة المبتكرة

وحول اختيار الأعمال، يضم المعرض الحالي حوالي 17 عملاً فنياً لـ 10 فنانين، مع تركيز جوهري على الفن الإماراتي، متمثلاً في أعمال الرائد حسن شريف والفنانة سارة المهيري. وتعتمد المجموعة نظاماً مبتكراً يقوم على "الإعارة الرقمية والمادية"؛ حيث يمنح المقتنون أعمالهم للمجموعة لتصويرها وأرشفتها رقمياً، ثم يتم استدعاء هذه الأعمال مادياً عند صياغة مفاهيم ومعارض محددة.

وتختتم القائمات على المبادرة بالتأكيد على أن هذه التجربة خلقت علاقة "رابحة" لكل الأطراف؛ فالمقتني يرى أعماله التي كانت حبيسة جدران منزله تكتسب حياة وسياقاً جديداً في المعارض العامة، والفنان يرى إنتاجه يُكتشف من جديد بعيون جمهور أوسع، مما يحول العمل الفني من قطعة صامتة إلى سجل حيّ يروي قصة دبي للعالم.

ويمتد البرنامج على مدار 14 يوماً ليشمل تجارب تفاعلية تكسر الحواجز التقليدية بين الفنان والجمهور، من خلال جولات حصرية في استوديوهات فنانين بارزين مثل حازم حرب وسيف محيسن، بالإضافة إلى زيارات لمبادرات فنية مستقلة، كما تشهد مكتبة الصفا سلسلة من الجلسات الحوارية الثرية التي تستضيف قادة الفكر الفني، أمثال ندى شبوط وميرنا عيّاد وهالة خياط، لمناقشة قضايا حفظ الذاكرة الثقافية عبر الأرشفة ودور المقتنين كداعمين أساسيين للفنون.

وفي جانبها التعليمي، أولت "ليالي مقتنيات دبي" اهتماماً خاصاً بالأجيال الناشئة والرعاة، حيث تقود الفنانة سارة المهيري ورش عمل متخصصة في الهندسة والتجريد، إلى جانب جلسات قراءة تهدف إلى تبسيط تاريخ الفن في المنطقة للأطفال. وتؤكد منى فيصل القرق، رئيسة اللجنة التنظيمية، أن هذه اللقاءات تحول الاقتناء إلى ممارسة واعية تجعل الماضي والحاضر في تفاعل نقدي مستمر، بينما تشير بينيديتا غيون، المدير التنفيذي لمجموعة آرت دبي، إلى أن البرنامج الموسع يمنح المجتمع الفني فرصة نادرة للتفاعل مع أعمال فنية ظلت لفترات طويلة بعيدة عن الأعين في المجموعات الخاصة.

إن "مقتنيات دبي"، برئاسة سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، تواصل تقديم نموذج فريد للشراكة بين القطاعين العام والخاص، حيث نمت لتضم أكثر من ألف عمل فني متاح للجمهور رقمياً وواقعياً. إنها ليست مجرد مجموعة فنية ثابتة، بل سجل حي يتطور مع تحولات مدينة دبي، موثقةً برؤية خبرائها المستقلين تلك الروابط الدقيقة بين المادة والشكل والبيئة، لتظل دبي دائماً منارة للإبداع ومنصة تجمع بين أصالة الذاكرة وطموح المخيلة.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com