"زمانيات" آرت دبي .. حداثة بلا حدود وتاريخ يكتب باللون

حوار يتجاوز سيرة الفنان الفردية ليفتش عن الهوية الجماعية والشبكات السرية التي صاغت فنون الشرق والجنوب.
"زمانيات" آرت دبي .. حداثة بلا حدود وتاريخ يكتب باللون
تاريخ النشر

في قلب دبي، المدينة التي تسابق المستقبل، سيطل علينا معرض "أرت دبي 2026" قريبا في نسخته الأكثر طموحاً، حاملاً معه تساؤلات تتجاوز حدود اللوحة والإطار. ومن وسط هذا الزخم العالمي، يبرز قسم "زمنيات" ليس كمنصة عرض فحسب، بل كـ "آلة زمن" تعيد قراءة تاريخ الحداثة في منطقتنا بعيونٍ جديدة.

تحت إشراف الدكتورة سارة رفقي، القيّمة الفنية على قسم زمانيات من آرت دبي 2026، حيث يكسر "زمانيات" القواعد التقليدية؛ فهو يرفض فكرة أن الفن يتطور في خط مستقيم يبدأ من الغرب وينتهي عندنا. بدلاً من ذلك، تأخذنا رفقي في رحلة عبر "المدارات المتعددة"، حيث تلتقي مدرسة الدار البيضاء بجماليات بيروت الستينية، وتتقاطع حداثة القاهرة مع تجريد البنغال، في حوار بصري مذهل مع "الخليج تايمز" يمتد من الخمسينيات وحتى يومنا هذا، وهنا لا نبحث في جماليات العمل الفني فقط، بل في "البنية التحتية" للأفكار التي شكلت هويتنا.

<div class="paragraphs"><p>الدكتورة سارة رفقي</p></div>

الدكتورة سارة رفقي

"زمنيات".. ما وراء الاسم

تقول رفقي يقارب قسم "زمانيات" مفهوم الحداثة من خلال منظور "التعددية الزمنية" بدلاً من الاعتماد على سردية خطية واحدة ووحيدة، لقد استلهمنا العنوان من الجمع العربي لكلمة "زمن" أو "عصر"، وهي إشارة مقصودة للتحول بعيداً عن فكرة التقدم الزمني المتسلسل الصارم، والتوجه نحو إيقاعات تاريخية متداخلة شكلتها عوامل الهجرة، والأساليب التعليمية، والسياقات السياسية.

إن هدفنا هو المساهمة في إعادة تموضع الحداثة عبر مناطق شمال إفريقيا، وشرق المتوسط، وجنوب آسيا، وشبه الجزيرة العربية، ليس بوصفها امتداداً هامشياً لتاريخ الفن الأوروبي-الأمريكي، بل كمسارات متقاطعة وغير متكافئة، مما يسمح لخطوط زمنية متعددة بالظهور والتجلي في آن واحد.

كوكبات فنية من 20 دولة

وتضيف كانت عملية الاختيار "بحثية وتحريرية" في المقام الأول؛ حيث مزجنا بين طلبات المشاركة المفتوحة، والعلاقات طويلة الأمد مع المعرض، والدعوات الموجهة بناءً على دراسة مجموعات فنية محددة.

فالإطار الناظم هنا هو ما أسميه "الحداثة البنيوية" أو "حداثة البنى التحتية"؛ حيث ربطنا بين فنانين تجمعهم مدارس فنية، أو ثقافة مطبوعة، أو مسارات هجرة، أو تضامنات سياسية. بدلاً من تجميع معرض موحد أسلوبياً، قمنا ببناء "كوكبات" فنية تضم الدار البيضاء، القاهرة، بيروت، البنغال، والأناضول، وصولاً إلى شتات باريس ولندن؛ بحيث تحتفظ كل منصة عرض باستقلاليتها الفنية، لكنها تنخرط في حوار زمني أوسع وأشمل.

من "عبقرية الفرد" إلى "قوة المؤسسة"

وتقول رفقي هذا التركيز يعكس تحولاً منهجياً في فهمي لكيفية تطور الحداثة العالمية، ففي العديد من سياقات ما بعد الاستقلال، لم تبرز الحداثة من خلال "العبقرية الفردية" المنعزلة، بل عبر ظروف جماعية مشتركة: الأكاديميات، الدوريات الثقافية، الورش، والتبادلات العابرة للحدود.

وهناك تساؤلات مثل ماذا يحدث لو بدأنا من هذه المواقع المشتركة للتعلم والتداول بدلاً من البدء بأسطورة "الفنان المنفرد"؟ كيف تسافر اللغات الفنية، وتتحور، أو تظهر مجدداً في مناطق كانت متباعدة سياسياً لكنها متصلة تعليمياً وفكرياً؟ إن مقاربة القسم عبر "البنى التحتية" تفتح هذه التساؤلات، وتسمح بقراءة الحداثة كعملية تاريخية مشتركة تشكلت بفعل التعليم والنشر والشبكات السياسية، لا كجرد لسير ذاتية منفصلة.

القيمة المضافة لـ "أرت دبي"

"زمانيات" يقدم عدسة بحثية رصينة داخل الإطار التجاري للمعرض. إنه يعمل على تجسير الفجوة بين البحث الأكاديمي، والرؤية القيمة، ومتطلبات السوق، عبر وضع الأعمال الفنية ضمن أقواس تاريخية طويلة مع إبقائها في متناول المقتنين.

يساهم القسم في توسيع النطاق الجغرافي والزمني لـ "آرت دبي"، ويربط استراتيجيات الاقتناء ببحوث مستدامة حول الحداثة العالمية، مما يوفر للمؤسسات والمقتنين سياقاً أعمق لأعمال فنية كانت تُتداول في كثير من الأحيان دون تأطير تاريخي كافٍ.

المطابع والمنشورات كمحرك عابر للحدود

رغم أن هذه المسارات قد لا تكون معروضة بشكل مادي مباشر في صالات العرض، إلا أنها تشكل الركيزة الأساسية والأسئلة التي صاغت تفكيري أثناء بناء "زمنيات". فالمطابع والدوريات والمجلات الثقافية (مثل مجلة "لوتيس") التي انبثقت عن حركة الكتاب الأفرو-آسيويين وحركة عدم الانحياز، خلقت ظروفاً سمحت بتداول الصور والنصوص والمفردات البصرية عبر القاهرة وبيروت والجزائر وبغداد وجنوب آسيا.

بفضل تقنيات إعادة الإنتاج، سافرت الاستراتيجيات البصرية مثل "التجريد الحروفي"، والرسم السياسي، والتايبوغرافيا التجريبية، بين فنانين ربما لم يجمعهم استوديو أو مدرسة واحدة قط. بالنسبة لي، تاريخ النشر والمطابع لا يظهر كطبقة سطحية في العرض، بل يعمل "كطبقة تحتية" تفسر لنا لماذا تظهر تقاربات شكلية معينة عبر جغرافيات متباعدة، ولماذا تكشفت الحداثة كمجموعة من الحوارات المتوازية بدلاً من مسارات وطنية معزولة.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com