

بالنسبة للعديد من النساء في دولة الإمارات العربية المتحدة، كان سن اليأس (انقطاع الطمث) أمراً يمررنه بصعوبة؛ حيث يتجاهلن الهبات الساخنة، ويستلقين مستيقظات طوال الليل، ويقنعن أنفسهن بأن تقلباتهن المزاجية ليست سوى جزء من حياة مزدحمة ومليئة بالضغوط.
لكن الأطباء في جميع أنحاء الدولة يدعون الآن إلى تغيير هذا النهج؛ فبدلاً من وصفة طبية واحدة تناسب الجميع، يجب تقديم "قائمة" من خيارات العلاج للنساء على "طريقة الكافتيريا" (تعدد الخيارات)، ودعمهن لاختيار ما يناسبهن بشكل أفضل.
يأتي هذا التوجه في وقت تسلط فيه أبحاث جديدة من "مايو كلينك" الضوء على مدى التأثير العميق لسن اليأس على الحياة اليومية، وكيف تعيش النساء غالباً دون مساعدة طبية. الدراسة التي نُشرت في دورية (Mayo Clinic Proceedings)، شملت استطلاع رأي لنحو 5000 امرأة تتراوح أعمارهم بين 45 و60 عاماً.
وأظهرت الدراسة أن أكثر من ثلاث من بين كل أربع نساء عانين من أعراض سن اليأس، وأبلغت الكثيرات عن تأثير كبير على العمل والعلاقات والرفاهية العامة. وفي الإمارات، يقول الأطباء إن هذه النتائج تعكس ما يشاهدونه يومياً في العيادات.
وقالت الدكتورة شوشيتا ميهيريشي، أخصائية جراحة المناظير النسائية في مستشفى أستر بـ "القصيص": "وجدت الدراسات أن أكثر من 80% من النساء لم يطلبن الرعاية الطبية لأعراض سن اليأس. وأعتقد أن ذلك يعود لسببين رئيسيين؛ الأول هو اعتقادهن بأن المشاكل الصحية لسن اليأس أمر حتمي ومقدر لهن، لذا يجب عليهن تحمله. والثاني هو عدم وعيهن بوجود علاجات فعالة".
وأكدت أن الحوار في حد ذاته لا يقل أهمية عن العلاج، قائلة: "من المهم إعطاء وقت كافٍ للاستشارة لأن كسر الجليد يستغرق وقتاً.. يجب مناقشة العلاج بأسلوب (الكافتيريا)، أي عرض خيارات مختلفة والأخذ برأيها في اتخاذ القرار".
يقول الأطباء إن إحدى أكبر الثغرات في رعاية سن اليأس هي التوقيت؛ فغالباً ما تطلب النساء المساعدة فقط عندما تصبح الأعراض لا تطاق.
وقالت الدكتورة عايدة حسين الخطيب، أخصائية أمراض النساء والولادة في المستشفى السعودي الألماني بعجمان: "يجب أن تكون رعاية سن اليأس استباقية وليست مدفوعة بالأزمات". وأوضحت أن بدء الحوار في أواخر الثلاثينات أو أوائل الأربعينات يساعد النساء على فهم ما ينتظرهن.
وأضافت: "الحوار المبكر يساعد النساء على تمييز الأعراض الطبيعية من تلك التي تستدعي اهتماماً طبياً، وما هي الخيارات المتاحة لإدارتها.. والأهم من ذلك، أنه يعزز رسالة رئيسية: سن اليأس ليس شيئاً يجب تحمله في صمت، والإرشاد الطبي يمكن أن يعزز جودة الحياة لا أن يقللها". بالنسبة للعديد من النساء اللواتي يوفقن بين الوظائف، ومهام الرعاية والمسؤوليات العائلية، يمكن لهذا التوجيه المبكر أن يشكل الفارق بين "التأقلم" وبين "المعاناة الصامتة".
بينما تمر بعض النساء بمرحلة سن اليأس مع حد أدنى من الاضطرابات، يحذر الأطباء من أن أخريات يعانين من أعراض تؤثر بشكل كبير على صحتهن وأدائهن اليومي.
وقالت الدكتورة راميا راج، أخصائية أمراض النساء والولادة في المستشفى الدولي الحديث بدبي: "بينما تمر العديد من النساء بمرحلة سن اليأس دون رعاية طبية رسمية، إلا أن هناك أعراضاً معينة يجب أن تستوجب استشارة مهنية". وذكرت قائمة بعلامات التحذير التي تشمل الهبات الساخنة الشديدة، التغيرات المزاجية المستمرة، ضبابية الدماغ، جفاف المهبل، مشاكل البول المتكررة، تغيرات الوزن غير المبررة، والنزيف غير المنتظم أو النزيف ما بعد انقطاع الطمث. وأشارت إلى أن "ما يصل لـ 75% من النساء فوق سن الأربعين اللواتي يمررن بسن اليأس يختبرن ذلك".
وأضافت الدكتورة راج أن العديد من النساء لا يربطن أعراضاً مثل آلام المفاصل، أو التعب، أو انخفاض الحالة المزاجية بسن اليأس، وبالتالي لا يذكرنها أثناء الاستشارات. ولتسهيل النقاشات، حثت الأطباء على تطبيع سن اليأس كمرحلة عمرية، وليس كفشل. "الأسئلة البسيطة والمفتوحة مثل: كيف تؤثر هذه التغييرات على حياتك اليومية؟ أو ما الذي يقلقك أكثر الآن؟ تساعد النساء على الشعور بأنهن مسموعات بدلاً من التسرع في اتخاذ قرارات العلاج".
كما يؤكد المسعفون في جميع أنحاء الإمارات على اتباع نهج شمولي؛ لا يقتصر فقط على العلاج الهرموني، بل يشمل الدعم العاطفي وتعديل نمط الحياة. وقالت راج: "يشمل الدعم العملي خطط رعاية فردية.. تعديلات في نمط الحياة، علاجات غير هرمونية، علاجاً هرمونياً عند الاقتضاء، فحص الصحة العقلية، والإحالة إلى أخصائيي تغذية أو علاج طبيعي".
وأشارت إلى أن العلاجات المتاحة دون وصفة طبية يمكن أن تساعد في تخفيف الأعراض، جنباً إلى جنب مع تغييرات بسيطة في نمط الحياة مثل الحفاظ على وزن صحي، والإقلاع عن التدخين، وممارسة تقنيات الاسترخاء. واختتمت قائلة: "الأدوية التي لا تحتاج لوصفة طبية لها دور في تخفيف الأعراض مثل مكملات الإيزوفلافون، ومنتجات الصويا، والكوهوش الأسود، وفيتامين E. إن المتابعات المنتظمة، حتى لو كانت قصيرة، تساعد في التأكيد على أن سن اليأس هو انتقال مستمر، وليس استشارة لمرة واحدة فقط".