

تمكن نظام ذكاء اصطناعي شارك في تطويره باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) من التنبؤ بمن هم عرضة لخطر الوفاة بسبب أمراض القلب قبل حدوث ذلك بمدة تصل إلى 12 عاماً، وذلك من خلال تحليل بيانات سكر الدم لمدة أسبوعين فقط.
وأظهرت الدراسة، التي نُشرت مؤخراً في مجلة "Nature" وقادها البروفيسور إيران سيغال من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة — وهي أجهزة صغيرة قابلة للارتداء يستخدمها عادةً مرضى السكري — يمكنها اكتشاف المخاطر الصحية المخفية قبل سنوات من ظهور الأعراض.
وقد نجح نموذج الذكاء الاصطناعي، الذي أطلق عليه اسم "GluFormer"، في تحديد 69% من وفيات القلب والأوعية الدموية ضمن المجموعة الأكثر عرضة للخطر، بينما سجل صفر وفيات في المجموعة الأقل عرضة للخطر.
وقال سيغال لصحيفة "خليج تايمز": "فحوصات الدم التقليدية تعمل مثل صورة فوتوغرافية ثابتة واحدة، أما GluFormer فيقوم بتحليل الفيلم السينمائي الكامل لحياتك الأيضية (التمثيل الغذائي)". يتتبع النظام قراءات الجلوكوز كل 15 دقيقة، ليلتقط أنماطاً دقيقة تفشل اختبارات الدم الروتينية لمرة واحدة في رصدها.
ابقَ على اطلاع بأحدث الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
يأتي توقيت هذا البحث ذا أهمية خاصة لدولة الإمارات العربية المتحدة. ففي تقرير سابق لصحيفة "خليج تايمز"، أشار مستشفى رأس الخيمة (RAK Hospital) إلى أن ما يقرب من 40% من البالغين و40% من الأطفال في الإمارات يعانون من السمنة، مما يساهم في ارتفاع الحالات المزمنة مثل السكري، وأمراض القلب، والسرطان.
تم تدريب GluFormer على أكثر من 10 ملايين قياس للجلوكوز تم جمعها من 10,812 مشاركاً، معظمهم لم يكن مصاباً بالسكري. وبدلاً من التركيز على قراءات منعزلة، تعلم الذكاء الاصطناعي اكتشاف ما يصفه الباحثون بـ "مسارات المخاطر" — وهي أنماط توضح كيفية إدارة الجسم للطاقة خلال الحياة اليومية، بما في ذلك ما بعد الوجبات وأثناء النوم.
وأوضح سيغال قائلاً: "من خلال مشاهدة الفيلم الأيضي بالكامل بدلاً من لقطة واحدة، يمكننا معرفة الاتجاه الذي تسلكه صحة الشخص". وبناءً على هذه الأنماط، قام النظام بتقسيم الأفراد إلى مجموعات حسب الخطورة. وعلى مدار فترة تنبؤ دامت 12 عاماً، كان التباين صارخاً: المجموعة الأكثر صموداً لم تسجل أي وفيات قلبية وعائية، بينما كانت المجموعة الأعلى خطورة مسؤولة عن ما يقرب من سبعة من كل عشرة وفيات، على الرغم من ظهورهم بحالة مستقرة في فحوصات الدم العادية.
كما كشف التحليل عن قصور في أدوات التشخيص الحالية؛ حيث أظهر 40% من المشاركين الذين صُنفوا على أنهم "طبيعيون" باستخدام اختبارات الجلوكوز الصائم التقليدية، أنماط جلوكوز تتفق مع مرحلة ما قبل السكري عند مراقبتهم بشكل مستمر. وقال سيغال: "حتى لو بدت اللقطة الواحدة جيدة، فإن الصورة الأيضية الأوسع يمكن أن تروي قصة مختلفة تماماً".
من أجل دقة التنبؤ، احتاج المشاركون إلى ارتداء جهاز مراقبة الجلوكوز لمدة تتراوح بين 10 إلى 14 يوماً فقط. ومن خلال تلك النافذة القصيرة، أصدر الذكاء الاصطناعي توقعات شخصية للمخاطر. وفي الاختبارات المقارنة، تفوق GluFormer على اختبار (HbA1c) — المعيار السريري الحالي — في التنبؤ بالأفراد في مرحلة ما قبل السكري الذين سيتطور لديهم المرض لاحقاً، حيث حدد 66% من الحالات المستقبلية.
وبعيداً عن مخاطر القلب والأوعية الدموية، كان النموذج قادراً أيضاً على التنبؤ بمؤشرات تتعلق بالدهون الحشوية، ووظائف الكلى، وصحة الكبد، وملفات الدهون قبل عدة سنوات، بناءً فقط على ديناميكيات الجلوكوز. وأشار سيغال إلى أن "هذه الأنماط تعكس ما هو أكثر بكثير من مجرد السكر؛ إنها تقدم صورة عالية الدقة للصحة الأيضية الشاملة".
وتدمج نسخة أكثر تقدماً من النظام البيانات الغذائية إلى جانب قراءات الجلوكوز، مما يسمح للباحثين بمحاكاة كيفية تأثير أطعمة معينة على عملية التمثيل الغذائي الفردية. وعند إدراج بيانات الوجبات، تحسنت دقة التنبؤ حول أنماط الأكل لأكثر من 90% من المشاركين.
تتمثل الرؤية طويلة المدى في إنشاء "توأم رقمي" لعملية التمثيل الغذائي للشخص — وهو نموذج افتراضي يمكنه محاكاة كيف يمكن لتغييرات نمط الحياة أن تغير النتائج الصحية المستقبلية. ومع ذلك، شدد سيغال على أن الاستخدام السريري الواسع النطاق لا يزال بعيداً بعض الشيء، قائلاً: "العلم تم إثبات صحته، لكن الأنظمة الصحية اليوم لا تزال مبنية على نمط الفحوصات العرضية (اللقطات السريعة)".
إن تبني مثل هذه التكنولوجيا يتطلب المزيد من التجارب السريرية وبنية تحتية جديدة للمستشفيات قادرة على التعامل مع تدفقات البيانات المستمرة. وبما أن دولة الإمارات مشاركة بشكل مباشر في هذا البحث، فقد أكد سيغال أن المؤسسات المحلية في وضع جيد للمشاركة في دراسات التحقق المستقبلية مع اقتراب الطب التنبؤي من الاستخدام في العالم الحقيقي.