مخاطر الجلوس المطول: صراع الدماغ والجسم مع الخمول

تأثيرات حيوية تتجاوز آلام الظهر لتشمل تراجع اليقظة الذهنية وتفاقم أعراض عرق النسا واضطراب نقص الانتباه.
مخاطر الجلوس المطول: صراع الدماغ والجسم مع الخمول
تاريخ النشر

بعد 15 دقيقة فقط من الجلوس، يبدأ الألم. يتلاشى التركيز، ويتسلل النعاس. بالنسبة لبعض الأشخاص، لا يعد الجلوس لفترات طويلة مجرد أمر غير مريح، بل هو حالة تسبب العجز.

يقول الأطباء إن هذه التجربة، التي غالباً ما يبلغ عنها المصابون باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD) أو عرق النسا، لها تفسير بيولوجي واضح: عندما يتوقف الجسم عن الحركة، يتلقى الدماغ إشارات أقل للبقاء في حالة تأهب، مما يؤدي تدريجياً إلى الانتقال إلى حالة من الخمول وانخفاض الطاقة. وفي الوقت نفسه، يضع الجلوس ضغطاً ميكانيكياً على العمود الفقري والأعصاب، مما قد يؤدي إلى تفاقم حالات الألم مثل عرق النسا.

بينما حذر الأطباء منذ فترة طويلة من الجلوس لفترات ممتدة، يقول الدكتور محمد فرحان، الطبيب الأخصائي في قسم الطب النفسي والصحة السلوكية بمعهد الأعصاب في كليفلاند كلينك أبوظبي: "يحتاج الناس إلى الحركة. الدماغ والجسم ليسا مصممين للبقاء في حالة سكون لساعات متواصلة".

لماذا يزيد الجلوس المطول من سوء آلام عرق النسا

من الناحية الجسدية، يعتبر الجلوس لفترات طويلة مشكلة خاصة للأشخاص الذين يعانون من عرق النسا، وهي حالة ناتجة عن تهيج أو ضغط على العصب الوركي الذي يمتد من أسفل العمود الفقري إلى الساق. وأوضح الدكتور فرحان أن الجلوس لفترات طويلة يمكن أن يضغط على العصب الوركي إما على مستوى العمود الفقري - خاصة لدى الأشخاص المصابين بانزلاق غضروفي - أو أثناء مرور العصب تحت العضلات في الورك. وقال: "عندما تجلس، تكون الأوراك منثنية، وهذا الوضع يمكن أن يزيد الضغط على العصب. ولهذا السبب غالباً ما يزداد الألم أو التنميل أو الوخز في الساق كلما طالت مدة جلوس الشخص".

<div class=

يرى أخصائيو جراحة الأعصاب هذا النمط بشكل متكرر. ووفقاً للدكتور نادر هبالة، الطبيب الأخصائي في معهد الأعصاب بكليفلاند كلينك أبوظبي، فإن الجلوس المطول يزيد الضغط على أسفل العمود الفقري، خاصة عندما تتدهور وضعية الجسم بمرور الوقت.

وقال الدكتور هبالة: "بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من عرق النسا أو آلام أسفل الظهر، يضع الجلوس ضغطاً إضافياً على جذور الأعصاب التي تشكل العصب الوركي. يلاحظ العديد من المرضى أن الجلوس لفترات طويلة يؤدي إلى تفاقم آلام الظهر أو الساق، خاصة عندما تكون وضعية الجسم سيئة". هذا هو السبب في التوصية غالباً باستخدام المكاتب التي تتيح العمل جلوساً ووقوفاً (sit-stand desks) وتغيير الوضعية بانتظام. وأضاف الدكتور هبالة: "حتى الوقوف البسيط لمدة خمس دقائق، أو المشي أو التمدد يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً".

‘وضع الطاقة المنخفضة’ للدماغ

يتجاوز تأثير الجلوس المطول حدود الألم. وفقاً للدكتور فرحان، يعتمد الدماغ على ردود فعل مستمرة من العضلات والمفاصل للحفاظ على اليقظة. وأوضح قائلاً: "عندما نجلس بلا حراك لفترات طويلة، يكون هناك مدخلات حسية أقل تصل إلى أجزاء الدماغ التي تعزز اليقظة. ونتيجة لذلك، ينتقل الدماغ نحو حالة من الخمول وانخفاض الطاقة". يرتبط هذا التأثير بإيقاع النوم والاستيقاظ الطبيعي للدماغ، والذي لا ينظمه الضوء فحسب، بل والنشاط البدني أيضاً. وقال الدكتور فرحان: "الحركة خلال النهار تخبر الدماغ أن الوقت قد حان ليكون مستيقظاً ومنتبهاً. وعندما ينخفض النشاط، تنخفض اليقظة". إن الحركة القصيرة - مثل الوقوف أو المشي أو التمشية - تزيد من تدفق الدم إلى الدماغ وتحفز إفراز الناقلات العصبية مثل الدوبامين والنورادرينالين، وكلاهما ضروري للانتباه والتحفيز واليقظة.

يرتبط هذا التأثير بإيقاع النوم والاستيقاظ الطبيعي للدماغ، والذي لا ينظمه الضوء فحسب، بل والنشاط البدني أيضاً. وقال الدكتور فرحان: "الحركة خلال النهار تخبر الدماغ أن الوقت قد حان ليكون مستيقظاً ومنتبهاً. وعندما ينخفض النشاط، تنخفض اليقظة". إن الحركة القصيرة - مثل الوقوف أو المشي أو التمشية - تزيد من تدفق الدم إلى الدماغ وتحفز إفراز الناقلات العصبية مثل الدوبامين والنورادرينالين، وكلاهما ضروري للانتباه والتحفيز واليقظة.

لماذا تعاني أدمغة المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من الجلوس

بالنسبة للأشخاص المصابين باضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، غالباً ما تكون المشكلة مضاعفة. وأوضح الدكتور فرحان: "في حالة ADHD، يعاني الدماغ بالفعل من مستويات أقل من الدوبامين والنورادرينالين في المناطق المسؤولة عن التركيز والانتباه. الجلوس بلا حراك لفترات طويلة يجعل من الصعب الحفاظ على التركيز". يفيد العديد من مرضى ADHD بأنهم يفكرون بشكل أفضل عند الوقوف أو المشي - وهي ملاحظة تدعمها الخبرة السريرية.

وقال الدكتور فرحان: "بالنسبة لهم، الحركة ليست تشتيتاً، بل هي شكل من أشكال التنظيم الذاتي". تؤدي الأنشطة البدنية وتغيير الوضعية إلى زيادة مستويات الدوبامين والنورادرينالين، مما يحسن الحالة المزاجية والدافع واليقظة. وأضاف: "هذا هو السبب في أن المصابين بـ ADHD غالباً ما يشعرون بقلق أقل، وتركيز أكبر، ووضوح ذهني أفضل عندما يكونون واقفين على أقدامهم".

الجلوس، النعاس والرتابة

تساعد الآليات نفسها في تفسير سبب إمكانية أن يؤدي الجلوس المطول - خاصة أثناء القيادة لمسافات طويلة - إلى مستويات خطيرة من النعاس. وقال الدكتور فرحان: "الجلوس يجمع بين قلة الحركة والرتابة وانخفاض المدخلات الحسية. هذا المزيج يقلل من اليقظة الذهنية". قد توفر القهوة والمنبهات راحة مؤقتة، لكنها ليست حلولاً موثوقة. وقال: "إذا شعر شخص ما بالنعاس، فإن الخيار الأكثر أماناً هو التوقف، وأخذ استراحة، والخروج من السيارة والتحرك. فالحركة تخبر الدماغ أن الوقت ليس للنوم". قد يشير النعاس المفرط نهاراً أيضاً إلى اضطرابات نوم كامنة، والتي يجب تقييمها طبياً.

التوازن، لا التطرف

بينما يوفر الوقوف فوائد، يشدد الأطباء على أن الهدف ليس استبدال الجلوس بالكامل. وقال الدكتور هبالة: "الوقوف لفترات طويلة يمكن أن يؤدي أيضاً إلى التعب إذا لم يكن الجسم مدعوماً. المفتاح هو التوازن - التناوب بين الجلوس والوقوف، والحفاظ على وضعية جيدة، ودمج فترات حركة منتظمة في اليوم". تتمثل الإرشادات العملية لمعظم الناس في تغيير الوضعية كل 30 إلى 45 دقيقة، بالإضافة إلى المشي المنتظم والتمدد وممارسة الرياضة. وقال الدكتور فرحان: "الدماغ البشري مصمم للحركة. الحركة ليست استراحة من التفكير - بل هي الطريقة التي نبقى بها مستيقظين ومركزين وبصحة عصبية جيدة".

إرشادات عملية لمعظم الناس هي تغيير الوضع كل 30 إلى 45 دقيقة، بالإضافة إلى المشي المنتظم، والتمدد، وممارسة الرياضة.

“الدماغ البشري مصمم للحركة،” قال الدكتور فرحان. “الحركة ليست استراحة من التفكير — إنها كيف نبقى مستيقظين، ومركزين، وصحيين عصبيًا.”

إعادة التفكير في التصميم

تثير المناقشة حول الجلوس المطول أيضاً تساؤلات أوسع حول كيفية تصميم الأماكن اليومية - من أماكن العمل والمؤتمرات إلى السفر لمسافات طويلة. على سبيل المثال، عند سؤاله عما إذا كانت السيارات التي تسمح للسائقين بالوقوف بدلاً من الجلوس يمكن أن تكون وسيلة لتحسين اليقظة أثناء الرحلات الطويلة.

قال الدكتور فرحان: "هذه فكرة مبتكرة للغاية"، مشيراً إلى أن قيادة السيارة في وضع الجلوس لفترات طويلة تجمع بين السكون والرتابة - وهو مزيج معروف بتقليل اليقظة. ومع ذلك، أكد أن أي مفهوم من هذا القبيل سيثير اعتبارات معقدة تتعلق بالسلامة والسياسات، وسيتطلب بحثاً مكثفاً قبل اعتباره قابلاً للتطبيق.

ما كان الأطباء أكثر ثقة به هو الحاجة إلى فترات راحة للحركة. وقال الدكتور فرحان: "إذا شعر شخص ما بالنعاس أثناء القيادة، فإن الشيء الوحيد الذي ينجح حقاً هو التوقف والخروج من السيارة والتحرك". كان هناك اقتراح آخر حول ما إذا كان ينبغي منح المصابين بـ ADHD تسهيلات رسمية في البيئات التي يكون فيها الجلوس إلزامياً - مثل المؤتمرات أو المحاضرات أو حتى الرحلات الجوية - خاصة عند عدم توفر خيارات للوقوف.

وأوضح الدكتور فرحان أن مثل هذه التسهيلات تحدث بالفعل على أساس فردي من الناحية السريرية. وقال: "نحن نكتب بانتظام رسائل للمرضى لطلب تعديلات مريحة (إرجونومية)، أو فترات راحة للحركة أو مرونة في العمل أو المدرسة. اضطراب ADHD له أساس عصبي بيولوجي واضح، والحركة تساعد في تنظيم الانتباه". وأضاف أن زيادة الوعي يمكن أن تخفف من تحديات التواصل. وقال: "غالباً ما لا تفهم المدارس والمؤسسات هذا الأمر على الفور. إن وجود اعتراف أوضح بالحاجة إلى الحركة يمكن أن يحدث فرقاً حقيقياً للمرضى".

الحركة كوصول، لا تفضيل

أكد الأطباء أن الحاجة إلى الوقوف أو الحركة لا تتعلق بالراحة أو التفضيل الشخصي، بل بالوظيفة الحيوية. وأوضح الدكتور فرحان: "الدماغ يتلقى إشارات باستمرار من الجسم. تغيير الوضعية يغير نشاط الناقلات العصبية. عندما تكون في وضع قائم وتتحرك، يزداد الدوبامين والنورادرينالين، مما يدعم اليقظة والدافع والتركيز".

بالنسبة للأشخاص المصابين بـ ADHD أو الألم المزمن، فإن إجبارهم على الجلوس لفترات طويلة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأعراض - ذهنياً وجسدياً. ويقول الخبراء إن البيئات المرنة التي تسمح للناس بالوقوف أو المشي أو تغيير وضعيتهم قد لا تحسن الراحة فحسب، بل تحسن أيضاً الأداء المعرفي والرفاهية. ومع ازدياد نمط الحياة الحديثة خمولاً، يجادل الأطباء بأن إعادة التفكير في كيفية - ومدة - جلوسنا قد تكون بنفس أهمية كيفية عملنا وتعلمنا وسفرنا.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com