

يسرى مارديني
في سن السابعة عشرة فقط، فرت السباحة الأولمبية يسرى مارديني من سوريا التي مزقتها الحرب، عابرةً تسع دول وكادت أن تغرق في البحر، قبل أن تعثر أخيرًا على الأمان في ألمانيا. بعد سنوات، شاهد العالم بأسره يسرى وهي تحمل العلم الأبيض لفريق اللاجئين الأولمبيين في دورة ألعاب طوكيو – رمزاً للقوة والنجاة والأمل. وفي بودابست عام 2022، سبحت يسرى سباقها الأخير مع هذا الفريق الذي غيّر حياتها للأبد.
ومع انتهاء فصلها كلاعبة مع فريق اللاجئين، بدأت يسرى رحلة جديدة مع صدور فيلم "السباحتان" عبر نتفليكس، الذي يروي قصتها غير العادية. أكثر من كونه سيرة ذاتية، أثار الفيلم نقاشات أعمق حول معنى أن تكون لاجئاً. تقول يسرى في حوار مع "ويك إند": "كونك لاجئًا لا يُعد خيارًا. خيارنا الوحيد كان أن نموت في بلادنا، أو نخاطر بالموت هربًا."
الآن، وبعد أن أصبحت سفيرة للنوايا الحسنة لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تواصل يسرى إلهام العالم — داخل وخارج حوض السباحة.
السباحة من أجل الحياة
لطالما كانت السباحة جزءاً من حياة يسرى وهي تكبر في دمشق. لكن، عندما مزّقت الحرب وطنها، تحولت السباحة فجأة إلى سبيل بقائها الوحيد. في عام 2015، فرت يسرى برفقة أختها سارة من سوريا، في رحلة محفوفة بالخطر عَبَرتا فيها تسع دول. وعندما بدأ قاربهم المطاطي المزدحم يغرق في بحر إيجه، قفزت الشقيقتان إلى الماء، مستخدمتين قوتهما ومهاراتهما لسحب القارب ومن عليه نحو الأمان.
في نهاية المطاف، وجدتا ملاذًا في برلين، حيث احتضنهما نادي "Wasserfreunde Spandau 04"، لتحيا من جديد أحلام يسرى الأولمبية. وبعد عام واحد فقط، كانت يسرى تمثل فريق اللاجئين في أول ظهور له في أولمبياد ريو 2016، ثم عادت للمشاركة في طوكيو 2020.
المنافسة من دون علم وطني
بدأت مسيرة يسرى الأولمبية في ريو 2016 ضمن أول فريق لاجئين على الإطلاق.
وتقول عن تلك اللحظة الاستثنائية عند دخول ملعب ماراكانا في ريو: "لم أكن مرتاحة تمامًا حينها لوصف 'لاجئة'. لكن تلك اللحظة غيّرت كل شيء. أدركت أن فريق اللاجئين لم يكن مجرد رياضة – بل هو رسالة أمل."
وعادت للمشاركة مجددًا في طوكيو 2020، لكن تحت ظروف مختلفة تمامًا — في عزلة، وسط جائحة عالمية، حيث لم يكن بمقدورها المجازفة بالتعرض للمرض. تقول: "كانت كلتا الدورتين صعبتين للغاية، لكن عنادي وإيماني بحلمي هو ما منحني القوة على الصمود."
المنافسة دون علم تُثير تساؤلات معقدة حول الهوية. بالنسبة ليسرى، الإجابة مركبة، لكنها واضحة: "أنا أكثر من مجرد علم. أنا سورية، كنت ضيفة في ألمانيا، وأعيش في أمريكا. أنا لاجئة وسبّاحة وراوية قصص. هويتي تمتد عبر كل ذلك. تعلمت أن أكون في وطني أينما وجدت، لأنني أعرف من أنا." هذه الهوية السائلة منحتها القوة وصوتاً فريداً للدفاع عن قضايا اللاجئين حول العالم.
وفي بطولة العالم للألعاب المائية في بودابست 2022، سبحت يسرى آخر سباق لها مع فريق اللاجئين، لتختم بذلك فصلاً رياضياً غير مسبوق.
على نتفليكس
عندما عرض فيلم "السباحتان" على نتفليكس في نوفمبر، انشد ملايين المشاهدين إلى القصة الحقيقية لشقيقتين سبحتا من أجل الحياة. بالنسبة ليسرى، رؤية حياتها معروضة على الشاشة لم يكن مجرد أمر عاطفي بل كان تجربة غيرت مجراها. تقول: "كان شعوراً سريالياً. ضحكت وبكيت. وفخرت بلحظات لم أستسلم فيها. هذا الفيلم ليس عني فقط، بل عن ملايين اللاجئين الذين لا تُسمَع قصصهم."
لم تكن يسرى معظم الوقت في موقع تصوير الفيلم، إذ كانت مشغولة بالتدرب لأولمبيادها الثاني وسط قيود كوفيد.
لكنها كانت شديدة الحرص على كل تفاصيل الفيلم: "قضينا أسابيع مع كاتبة السيناريو نروي كل تفاصيل رحلتنا. تحدثنا طويلاً مع المخرجة لضمان بقاء القصة وفية للواقع الذي عشته أنا وأختي." وصلت لموقع التصوير في اليوم الأخير فقط، "لكن حتى عن بُعد، كنت متصلة بكل شيء يخص الفيلم."
الفيلم عكس رحلة يسرى وسارة المخيفة من سوريا إلى أوروبا بعمق وواقعية. وفي أحد المشاهد التي لا تُنسى، يقفزن من قارب مطاطي يغرق في بحر إيجه المثلج ويسبحن لساعات، يسحبن القارب وركابه نحو النجاة.
تقول يسرى: "كان من الصعب جدًا أن أعود بتلك الذكريات. أعرف كم من الأشخاص فقدوا حياتهم وهم يحاولون ذات الرحلة. كثيرون لم يصلوا أبدًا." وأضافت: "من الضروري إظهار الحقيقة للعالم. ليست قصتي وحدي. إنها ألم مشترك."
ومع هذا الألم، هناك لحظات فخر تملؤها: "أكثر مشهد هزني رؤية نفسي أحقق حلمي – الوصول إلى أولمبياد ريو. هذا يذكرني كم قطعت من المسافة، وكم كان عليّ أن أكون قوية لأصل إلى هنا."
صوت لمن لا صوت لهم
اليوم، تستخدم يسرى صوتها ليس فقط في الملاعب، بل في الفصول الدراسية ومعسكرات اللاجئين وغرف الاجتماعات والمنصات العالمية. كسفيرة للنوايا الحسنة للمفوضية الأممية، لا تملّ التأكيد للعالم: "كونك لاجئًا ليس خيارًا... إنه الملاذ الأخير."
حصلت على تكريمات عديدة منها "30 مراهقاً الأكثر تأثيرًا" من مجلة تايم، وجائزة بامبي "الأبطال الصامتون"، وجائزة اليونيسف العالمية للإنجاز للفتيات. لكنها ترى أن المكافأة الحقيقية هي لقاء اللاجئين الشباب ومشاركتهم صمودهم. تقول: "تمثيل اللاجئين ليس عبئًا — إنه مسؤولية أحملها بفخر."
ولتعزيز تأثيرها أطلقت "مؤسسة يسرى مارديني"، التي تمنح الشباب اللاجئين فرصًا للتعليم والرياضة. تقول: "الرياضة منحتني مستقبلي. والآن أريد أن أعيد هذا العطاء لغيري."
ما بعد السباحة
وبينما غيّرت السباحة حياة يسرى، فهي الآن تغوص في مجالات شغف جديدة؛ إذ تدرس حاليًا السينما وفن سرد القصص في الولايات المتحدة وتحلم بأن تصبح مخرجة أفلام: "أريد سرد قصص مثل قصتي... ليس فقط للتسلية، بل لفتح القلوب والعقول."
وتطمح أيضًا لدخول عالم الأزياء عبر إطلاق علامة تدمج الإبداع بالهدف: "إذا أسست علامة، ستكون أرباحها لمساعدة قضايا اللاجئين. كل ما أفعله سيبقى مرتبطاً بمساعدة الآخرين."
من الخطابة العامة، إلى العمل الإنساني، إلى الفن ــ تواصل يسرى بناء إرث يتجاوز الرياضة. وتقول: "ربما انتهت أيامي الأولمبية، لكن مهمتي مستمرة مدى الحياة."
كتاب غيّر حياة يسرى هو "مقهى لماذا أنت هنا؟"؛ أما سباحتها المفضلة فهي سباحة الفراشة، رمز لكل من يسبح ضد التيار. وعن الوطن تقول: "وطني هو سوريا، لكنه أيضاً كل مكان أشعر فيه بالراحة والسعادة والقدرة على التألق."
نجاح يسرى لم يعد يُقاس بالزمن والميداليات فحسب. "النجاح هو اللطف، هو النمو، هو تعلُّم شيء جديد ومساعدة الآخرين. هو أن تبقى متواضعاً وصادقاً مع نفسك من دون مقارنة رحلتك بغيرك."
ولو كان عليها أن تكتب رسالة واحدة على لوحة إعلانات تُرى في كل العالم؟
"نصبح أجساداً بلا أرواح عندما نترك أحلامنا خلفنا."