ضريبة الشهرة في زمن "تيك توك".. النقد وهوس التفاعل يهدد الصحة النفسية

ضريبة الشهرة في زمن "تيك توك".. النقد وهوس التفاعل يهدد الصحة النفسية

خلف الفيديوهات والنشر المستمر، هناك ضريبة متزايدة على الصحة العقلية، تتسم بالإرهاق والقلق والضغط للبقاء ذا صلة
تاريخ النشر

غالباً ما يُنظر إلى صناعة المحتوى على أنها وسيلة للمال السهل، وساعات عمل مرنة، وشهرة فورية. ولكن خلف الفيديوهات المصقولة والنشر المستمر تكمن ضريبة نفسية متزايدة، تتسم بالاحتراق النفسي والقلق والضغط المستمر للبقاء "مواكباً" (Relevant) في عالم تحكمه الخوارزميات.

أسماء س.، صانعة محتوى منذ ثلاث سنوات، بدأت في بناء قاعدتها الجماهيرية في البداية دون أن تظهر وجهها قط. ركزت مقاطع الفيديو الخاصة بها على زيارة الأماكن، ومشاركة وجباتها المفضلة، ومقتطفات من نمط الحياة في دبي، وتوثيق رحلتها اليومية من أبوظبي، بما في ذلك كيفية استعدادها وتزيين نفسها داخل السيارة.

وقالت لصحيفة "خليج تايمز": "بمجرد أن بنيت قاعدة متابعين قوية، شعرت أن الوقت قد حان لإظهار وجهي وتبني الأمر بالكامل".

في البداية، كانت الاستجابة إيجابية. ولكن مع زيادة ظهورها، زاد التدقيق أيضاً. وقالت أسماء: "كان الأمر لطيفاً في البداية، ثم بدأت التعليقات. بدأ الناس يجدون عيوباً في كل ما أفعله؛ في طريقة كلامي، ومظهري، وحتى في التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أتخيل يوماً أنها تهم أحداً".

تجاهل التعليقات السلبية

وبينما يمكن تجاهل التعليقات السلبية في بعض الأحيان، قالت أسماء إن الخوارزمية نفسها غالباً ما تزيد من الضغط. وأضافت: "إذا لم يحقق مقطع فيديو واحد أداءً جيداً، حتى لو لم يكن هناك سبب واضح، أبدأ في التشكيك في نفسي. تبدأ في ربط قيمتك الذاتية بأرقام لا تتحكم فيها".

صانعة محتوى أخرى، تُدعى عفراء، بدأت في الوقت نفسه تقريباً، قالت إن رد فعل الجمهور العنيف يمكن أن يتصاعد أحياناً إلى ما هو أبعد من مجرد النقد. ووصفت موجات من التعليقات العدائية التي أصبحت ساحقة، مما دفعها في النهاية إلى طلب المساعدة المهنية.

قالت عفراء: "كانت هناك لحظات توقف فيها الأمر عن كونه مجرد ملاحظات، وبدأ يبدو وكأنه هجوم. وصلتُ إلى نقطة كنت أحتاج فيها إلى علاج نفسي لمجرد القدرة على فصل نفسي عما يُقال عبر الإنترنت".

ويقول علماء النفس إن هذه التجارب أصبحت شائعة بشكل متزايد بين المبدعين الرقميين. وقالت الدكتورة حسناء مطر إن الحاجة المستمرة للأداء، مقترنة بالتقييم العام، يمكن أن تزيد من القلق والإرهاق العاطفي.

وأوضح عالم النفس: "عندما يرتبط التحقق من الذات بمستوى التفاعل (Engagement)، يمكن للمبدعين أن يدخلوا في حلقة مفرغة من الشك الذاتي، والاحتراق النفسي، واليقظة المفرطة. إن الضغط للبقاء مرئياً وذا صلة، خاصة في بيئة تقودها الخوارزميات، يمكن أن يؤدي إلى إجهاد مزمن، وانخفاض تقدير الذات، وصعوبة في الانفصال عن العمل".

"وضع حدود صارمة"

ويحذر الخبراء من أن صناعة المحتوى، على عكس الوظائف التقليدية، نادراً ما يكون لها حدود واضحة. فصناع المحتوى يشعرون غالباً بأنهم مجبرون على البقاء متاحين عبر الإنترنت، والرد على التعليقات، وتكييف هويتهم مع توقعات الجمهور، مما يؤدي إلى طمس الخط الفاصل بين الحياة الشخصية والعمل.

وينصح متخصصو الصحة النفسية المبدعين بوضع حدود صارمة، والحد من التعرض للتعليقات، وأخذ فترات راحة من النشر، وطلب الدعم مبكراً قبل أن يصبح التوتر غير قابل للسيطرة.

ومع استمرار نمو "اقتصاد المبدعين" (Creator Economy)، يقول الخبراء إن الاعتراف بالتكلفة النفسية أمر ضروري لفهم حقيقة الحياة خلف الكاميرا.

Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com