

أظهرت دراسات حديثة أن صحة الأب يمكن أن تؤثر بشكل كبير على سلامة الطفل، مما دفع الخبراء في دولة الإمارات العربية المتحدة إلى التوصية بإجراء فحوصات صحية أساسية للرجال قبل التخطيط للحمل.
ويقول الأطباء في جميع أنحاء البلاد إن هذا التحول قد طال انتظاره. فبينما كانت مناقشات الخصوبة تتركز تقليدياً على النساء، تظهر الأدلة بشكل متزايد أن صحة الرجل قبل الإخصاب لا تؤثر فقط على فرص حدوث الحمل، بل وأضاً على نتائج الولادة وصحة الطفل على المدى الطويل.
ووفقاً للدكتور باتانجالي باندورانجا، اختصاصي الغدد الصماء في مستشفى أستر بـ "القصيص"، فإن صحة الرجل تلعب دوراً حاسماً حتى قبل بدء الحمل. وأوضح أن الحيوانات المنوية تحمل ما هو أكثر من مجرد الحمض النووي (DNA). وقال: "تتأثر جودة الحيوانات المنوية بالعلامات فوق الجينية، وهي إشارات كيميائية تؤثر على كيفية تعبير الجينات في الجنين. إن عمر الأب، ووزنه، ونظامه الغذائي، والتدخين، واستهلاك الكحول، ومستويات التوتر، والتعرضات البيئية، كلها عوامل يمكن أن تغير هذه العلامات، مما يؤثر على الخصوبة، والتطور المبكر للجنين، ونتائج الحمل".
وأضاف الدكتور أحمد رضا، استشاري المسالك البولية في المستشفى السعودي الألماني، أن العوامل الذكورية تمثل حوالي 40 إلى 50 في المائة من حالات العقم. وقد ارتبطت سوء صحة الحيوانات المنوية بانخفاض معدلات الإخصاب، وارتفاع مخاطر الإجهاض، ومضاعفات الحمل.
يشجع الأطباء الآن على إجراء فحوصات صحية أساسية للرجال، خاصة عند وجود عوامل خطر. قد تشمل الاختبارات ضغط الدم، ومؤشر كتلة الجسم، ومستويات السكر في الدم، وفحص الدهون، والتقييمات الغذائية. كما يُنصح بإجراء تحليل للسائل المنوي في حال تأخر الحمل.
كما شدد الخبراء على ضرورة التحدي للمفاهيم الخاطئة المستمرة، بما في ذلك الاعتقاد بأن العقم هو قضية نسائية في المقام الأول أو أن الرجال ليس لهم دور يذكر في التخطيط للحمل. وقالت الدكتورة راميا راج، اختصاصية أمراض النساء والتوليد في المستشفى الدولي الحديث بدبي: "إن إنجاب طفل هو رحلة مشتركة. فعندما يشارك الرجال بنشاط في رعاية ما قبل الحمل، تتحسن النتائج لكل من الوالدين والأطفال".
ويتفق الخبراء على أن رعاية ما قبل الحمل للرجال يجب أن تصبح جزءاً روتينياً من الصحة الإنجابية، وليست مجرد فكرة لاحقة.
أشار الأطباء إلى أن خيارات نمط الحياة هي من بين أهم التأثيرات وأكثرها قابلية للتعديل على خصوبة الرجال. ويعد التدخين، والإفراط في تناول الكحول، وتعاطي المخدرات الترفيهية ضارة بشكل خاص.
وأشار الدكتور باندورانجا إلى أن تدخين الأب قبل الإخصاب يزيد من خطر الإجهاض، والولادة المبكرة، وعيوب القلب الخلقية، وحتى سرطانات الأطفال. كما ارتبط التعرض للسموم البيئية مثل المبيدات الحشرية والمواد الكيميائية المسببة لاضطرابات الغدد الصماء بالتشوهات الخلقية.
النظام الغذائي والنوم لا يقلان أهمية. وقالت الدكتورة راج إن التغذية السيئة والحرمان المزمن من النوم يمكن أن يؤديا إلى اختلال التوازن الهرموني وإنتاج الحيوانات المنوية. وترتبط الأنظمة الغذائية التي تفتقر إلى أحماض أوميغا 3 والزنك والفولات بانخفاض جودة الحيوانات المنوية، بينما يمكن أن يؤدي اضطراب النوم والعمل بنظام النوبات إلى إضعاف إيقاعات التستوستيرون وزيادة تلف الحمض النووي للحيوانات المنوية.
التوتر المزمن هو عامل آخر يشعر الأطباء بقلق متزايد بشأنه. حيث يمكن أن تؤدي مستويات التوتر العالية إلى قمع الهرمونات الإنجابية وتؤدي إلى سلوكيات تكيف غير صحية مثل التدخين أو الإفراط في الشرب، مما يزيد من تفاقم مشاكل الخصوبة.
يوصي الأطباء الرجال بالبدء في إجراء تغييرات صحية قبل ثلاثة إلى ستة أشهر على الأقل من محاولة الإنجاب. وقال الدكتور رضا: "تستغرق عملية تكوين الحيوانات المنوية حوالي ثلاثة أشهر، مما يعني أن التحسينات خلال هذه الفترة يمكن أن تعزز جودة الحيوانات المنوية بشكل مباشر".
تشمل الخطوات الرئيسية الإقلاع عن التدخين، والحد من الكحول، والحفاظ على وزن صحي، وممارسة الرياضة باعتدال، وتحسين النظام الغذائي، وإدارة التوتر، والسيطرة على الحالات المزمنة مثل السكري أو ارتفاع ضغط الدم. كما يُنصح بتجنب التعرض للحرارة الزائدة من الساونا أو أحواض الاستحمام الساخنة أو وضع أجهزة الكمبيوتر المحمولة على الحجر.