

لطالما ارتبطت فكرة كسب المال من تأليف الكتب بنوع من الرومانسية: كتابة القصص على الشاطئ، وإنهاء فصل في مقهى، ثم الحصول على صفقة نشر ضخمة. لكن، ما مدى واقعية هذا الحلم؟ في زمن تتصدر فيه وسائل التواصل الاجتماعي المشهد ويصبح فيه الجميع صانع محتوى، هل لا يزال تأليف الكتب مصدر دخل مجزٍ؟
قال الروائي المقيم في دبي، "أليكس شو"، إن الأمر لم يكن يتعلق بالمال في البداية، بل بالشغف. وأضاف: "كنت فقط أرغب أن أثبت لنفسي أنني قادر على كتابة رواية كاملة." وعلى الرغم من أن الأمر استغرق منه سنوات عدة لإنجازها، إلا أنه واصل الكتابة لاحقاً، وأصدر سلسلة روايات الإثارة الناجحة "أيدان سنو" (Aidan Snow).
تتفق الروائية الناجحة ومدربة الكتابة، "كارين عثمان"، مع هذا الرأي. فقد كتبت روايتها الأولى عام 2016، وتمكنت من الحصول على وكيل أدبي ثم عقد لنشر ثلاث روايات. وقالت: "في تلك المرحلة، لم أكن أفكر إذا ما كانت كتابة الروايات أمراً مجدياً مالياً، بل كنت متحمسة فقط لفكرة النشر." وأوضحت أنها كانت في ذلك الوقت تدير شركة لكتابة المحتوى كانت قد أسستها في عام 2011، وكانت تكسب دخلها من الكتابة، ولكن ليس من الروايات. أما اليوم، فتُحقق دخلاً من مصادر متعددة: عوائد بيع الكتب، كتابة المحتوى، إلقاء المحاضرات، الدورات الإلكترونية، والتدريب الفردي للكتّاب الجدد.
إنه ماراثون
النصيحة الأولى: اكتب لأنك تحب الكتابة، ولا تتوقع الربح السريع.
ماذا يقترح الروائيون المحترفون أيضاً؟ نصح أليكس شو قائلاً: "احرص على تحسين كتابتك قدر الإمكان قبل أن تعرضها للبيع أو على وكيل أدبي أو ودار نشر. واختر نوعاً أدبياً تحب قراءته، لأن هذا الشغف سيظهر في أسلوبك ويجعله أكثر جاذبية."
من المفيد أيضاً تبني رؤية بعيدة المدى. تقول كارين: "كسب الرزق من الكتابة أشبه بسباق ماراثون، وليس سباقاً قصيراً. معظم الكُتّاب يكتبون لشغفهم بها، وكثيرون منهم يُكملون دخلهم بوظائف يومية. يكمن السر في الاستمرارية، وتنويع مصادر دخلك، ومواصلة التعلم".
تأليف الروايات هو عمل نابعٌ من الشغف، إذ يُنشر نحو أربعة ملايين كتاب سنوياً، أكثر من نصفها يتم نشره ذاتياً، بينما يصدر الباقي عن دور النشر التقليدية. إنه سوق شديد التنافسية، وحتى الحصول على فرصة للنشر لا يعني بالضرورة حياة مليئة بالثروة والرفاهية.
قالت الكاتبة المقيمة في دبي، هيلغا جنسن-فورد: "كنت أتمنى أن أقول إنه بمجرد حصولك على أول عقد نشر يمكنك الاستقالة من عملك والبدء في كتابة الكتب من كوخ خشبي في الغابة أو كوخ على الشاطئ يطل على الغروب، لكن هذا ببساطة غير صحيح."
وأضافت: "تحتاج إلى بناء أرشيف من الكتب، وحتى حينها، لا توجد أي ضمانات. إنها وظيفة تتطلب جهداً كبيراً، مثل أي عمل آخر."
تضيف كارين: "النشر ليس سوى البداية. لا يزال على معظم الكُتّاب تسويق كتبهم بأنفسهم، وبناء قاعدة جماهيرية من الصفر، والموازنة بين الكتابة ومسؤوليات أخرى".
العمل بمفردك
أصبح النشر الذاتي شائعاً في السنوات الأخيرة، إذ يُنشر سنوياً نحو 2.5 مليون كتاب بهذه الطريقة. وفي هذا النموذج، يتحمّل المؤلف جميع التكاليف، لكنه يحصل في المقابل على نسبة أعلى بكثير من العوائد مقارنة بالنشر عبر دور النشر التقليدية.
قالت جنسن-فورد: "أنا شخصياً لا أميل للنشر الذاتي، لأنني أفضل وجود دار نشر تقف خلفي، إلا أنني أسمع أكثر فأكثر عن كتّاب نشروا كتبهم ذاتياً وحققوا أرباحاً غير مسبوقة. وأنا أؤمن بأن البعض قد يحقق دخلاً أعلى، ببساطة لأنهم لا يضطرون إلى تقاسم نسبة كبيرة من العوائد مع أطراف أخرى. لكن في المقابل، يحتاج الأمر إلى استراتيجية تسويق قوية جداً."
قبل أن يتعاقد شو مع ناشره الأول، قرر اتباع نهج النشر الذاتي. "بالنسبة لي، كان ذلك بمثابة خطوة أولى نحو النشر التقليدي، ولكن هذا لا يعني أنها ليست طريقة نشر مناسبة لمن يرغبون في البقاء مستقلين."
رغم أن تحقيق مبيعات كبيرة يُعد أصعب بالنسبة للكاتب الذي ينشر أعماله ذاتياً، فإن من ينجح في ذلك يجني ثماراً مجزية، إذ يمكنه الحصول على ما يصل إلى 70% من سعر البيع على أمازون، مقارنة بنسبة تتراوح بين 10 إلى 25% للكاتب الذي ينشر عبر دار نشر تقليدية.
وأضاف شو: "أنا سعيد لأنني بدأت ككاتب ينشر أعماله ذاتياً، فقد تعلمت الكثير عن التسويق، وتصميم الغلاف، وتنسيق المحتوى الداخلي، والإخراج الطباعي، والتحرير، وهي أمور لم أكن لأتعلّمها بطريقة أخرى".
لمن يرغب في خوض تجربة النشر الذاتي، يُعد تحالف الكتّاب المستقلين (ALLi) مصدراً مفيداً، إذ يوفّر مكتبة ضخمة من الموارد حول كيفية النشر والتسويق. أما إذا قررت التوجّه نحو النشر التقليدي، فابدأ بجمع قائمة دور النشر التي تنشر في النوع الأدبي الذي تكتبه، وتواصل معها مباشرة، مع التأكد من قبولها لتقديمات مباشرة من خلال مراجعة إرشادات التقديم الخاصة بها. كما يمكنك إعداد قائمة بالوكلاء الأدبيين المتخصصين في النوع الذي تكتب فيه.
العلامة التجارية الشخصية
كتابة رواية رائعة ليست سوى جزء من المعركة. عليك أيضاً تسويقها وتسويق نفسك كمؤلف. وهنا يأتي دور وسائل التواصل الاجتماعي. أوضح شو: "العلامة التجارية الشخصية مهمة للكاتب، فخلال العقدين الماضيين، رغب القراء في معرفة المزيد عن الكاتب. تُتيح لهم وسائل التواصل الاجتماعي فرصة التواصل مع كاتبهم المفضّل، بل وفي كثير من الأحيان، بناء علاقات صداقة حقيقية، تتجاوز فيسبوك".
وقال مازحاً: "بعض الكتّاب يروّجون لكتبهم بشكل مباشر جداً من خلال منشورات مثل 'اشترِ كتابي' وما شابه. أما أنا، فأحاول أن أكون لطيفاً وأن أستخدم روح الدعابة عند الحديث عن كتبي. وأعتقد أن البعض يظن أنني مجنون بعض الشيء."
قالت كارين إن بناء قائمة بريد إلكتروني وكتابة مدونة يُسهمان أيضاً في بناء علامتك التجارية الشخصية. "يأخذ الناشرون هذا الأمر في الاعتبار عند اختيار مؤلفين جدد. إن الانخراط والمشاركة ضمن مجتمع محبي الكتب (#BookTok) على منصة تيك توك، التي حققت مليارات المشاهدات، تُعدّ الآن محركات رئيسية لمبيعات الكتب".
الأساطير
هناك الكثير من الأساطير والمفاهيم الخاطئة المرتبطة بتأليف الكتب: مثل أن كتابة رواية أمرٌ سهل، وأن مجرد نشرها يعني أنك ستصبح ثرياً، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. إلا إذا تم تحويلها إلى مسلسل على نتفليكس أو فيلم من إنتاج استوديو ضخم، عندها، الوضع يختلف وهذه قصة أخرى.
قال شو: "الأسطورة الأكثر شيوعاً هي أن كل الكتّاب مليونيرات (صحيح أن بعضنا كذلك، لكن معظمنا لا)، وأننا نعيش في قصور أدبية بعيدة عن هموم العالم الواقعي".
"الكتابة قد تكون هواية أو وظيفة أو مسار حياة كامل. أما بالنسبة لي، فتكمن روعة أن أكون كاتباً حيث يدفع الناس لقراءة أو الاستماع إلى أفكاري وأحلامي العشوائية، التي نجحتُ في صياغتها في كتاب يتجاوز عدد كلماته 80 ألف كلمة".
ولا تتوقع أن تحقق نجاحاً بين عشية وضحاها، فهذا غير موجود في الحقيقة. وأضافت كارين: "استمر في الكتابة، حتى لو لم يحقق كتابك الأول نجاحاً كبيراً. الكُتّاب الذين ينجحون على المدى الطويل هم من يتعاملون مع الكتابة كمسار مهني طويل الأجل، وليس حدثاً عابراً".