بين الغيمة واليقين.. "اضطراب" الرؤية والذات في رواية حفصة لودي

تستخدم تجاربها المتعددة الثقافات للتأمل في الأسئلة التي تحملها العديد من النساء، مقدمة صورة شخصية عميقة
حفصة لودي

حفصة لودي

تاريخ النشر

في سن الرابعة والثلاثين، تتحدد قصة حياة المقيمة في دبي، حفصة لودي، من خلال الجغرافيا، والفضول، والتحول الهادئ. نشأت في الولايات المتحدة، ثم انتقلت إلى دبي في سن الرابعة عشرة، وهو التحول الذي أثر بعمق في رؤيتها للعالم وكتاباتها. ظلت دبي موطنها لما يقرب من عقدين من الزمن، مع فترات تكوينية قضتها في الخارج: ثلاث سنوات في تورونتو لإكمال درجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة رايرسون، تلتها سنة في لندن للحصول على درجة الماجستير في القانون الإسلامي. وتستمر هذه التجارب العابرة للثقافات في صياغة المنظورات المتعددة الطبقات الموجودة في عملها.

الشرارة الأولى

إن ذكريات لودي الأولى عن الكتابة معبرة بشكل مبهج؛ ففي سن الثانية عشرة، وبينما كانت تعيش في كاليفورنيا، كتبت مقالاً لإقناع والديها بأنها مسؤولة بما يكفي لامتلاك قطة أليفة، وقد نجح الأمر. زرع ذلك النصر الصغير بذرة الإبداع لديها. وبعد سنوات، صقلت دراستها للغة الإنجليزية في برنامج البكالوريا الدولية (IB) في المدرسة الثانوية حبها لتحليل الأدب والمواضيع والشعر. لكن تدريبها الأول في مجلة، وكتابة تقارير عن صيحات الموضة، هو ما حسم مسارها؛ حيث أدركت أن الصحافة ليست مجرد شيء تستمتع به، بل هي ما خُلقت للقيام به.

جاءت فكرة رواية "Turbulence" (اضطراب) من قصة إخبارية واحدة في عام 2020: امرأة نيجيرية وضعت مولودها في الجو على متن رحلة طيران من دبي إلى لاغوس. عندما حملت لودي بعد أشهر، وكانت تخطط للسفر للولادة بنفسها، عادت تلك القصة للظهور بكثافة مقلقة. أصبح الخوف من الدخول في المخاض في رحلة طويلة هو نقطة الاشتعال العاطفية للرواية. وبمجرد أن ابتكرت "المحفز" السردي لمخاض بطلتها (دنيا) المبكر، عملت لودي بشكل عكسي، لتبني الحياة التي أدت إلى تلك اللحظة المعلقة في السماء. ومن المفارقات أن أحد الفصول الأولى التي كتبتها أصبح في النهاية أحد المشاهد الختامية للكتاب.

قوة الاختيار

في العديد من المجتمعات الشرق أوسطية، غالباً ما يُنظر إلى الزواج والأمومة كمعالم حتمية بدلاً من كونها اختيارات متعمدة. تتناول لودي هذا الموضوع بلمسة من التفصيل؛ حيث يتشكل مسار (دنيا) من خلال تجربة والدتها (شيري) التحذيرية، التي تشجعها على عدم اتباع التقاليد بشكل أعمى. هذا التحرر من التوقعات يجعل اختيار (دنيا) النهائي للزواج والأمومة أكثر تعقيداً وأكثر تعمداً. وبدلاً من تصوير هذه الأدوار كأعباء أو متطلبات مسبقة، تستكشف لودي لماذا قد تنجذب النساء نحوها حتى عندما لا ينشأن على رؤيتها كخيار افتراضي.

ورغم أن أحداث رواية "Turbulence" تقع جزئياً في أوساط مرفهة، إلا أنها لا تتوانى عن فحص "العمل العاطفي" الذي تقوم به النساء، والذي غالباً ما يكون غير مرئي وغير معترف به. وتلاحظ لودي أن هذا الاختفاء عالمي وليس إقليمياً. فعبء (دنيا) ليس تعبًا جسديًا، بل هو ثقل نفسي: انعدام الأمان، والمعضلات الداخلية، والاستياء الهادئ الذي يغلي تحت سطح أدوارها كزوجة وأم.

الخيط المركزي في الرواية هو فكرة أن الحب والشك يمكن أن يتعايشا دون تناقض. بالنسبة للودي، كان من الضروري تطبيع هذا التوتر؛ فدنيا تحب ابنها بشدة وتريد الأفضل لأطفالها، ومع ذلك فهي تدرك تماماً أن اختياراتها ومكانتها داخل الأسرة ستشكل كيفية إدراكهم للمرأة. فالأمومة، في رواية لودي، هي عملية توازن مستمرة بين الرعاية والوعي والذات.

الكلمة غير المنطوقة

تأمل لودي أن تجد النساء المسلمات في المنطقة وفي دول الاغتراب أنفسهن في أسئلة (دنيا). تتناول الرواية مفاوضات مألوفة: الجاذبية مقابل الحشمة، والدفء مقابل السلطة في التربية، وممارسة العقيدة المتجذرة في التقاليد والتي تظل في الوقت نفسه صالحة لكل زمان بحكمتها. هذه ليست نقاشات مجردة، بل هي حقائق تعيشها الكثير من النساء.

إن إعطاء صوت للأفكار التي غالباً ما تُعلّم النساء الصمت حيالها جاء مع تحدياته الخاصة. بالنسبة للودي، كان الخطر الأكبر يتمثل في تقديم الإيمان بمصطلحات بسيطة للغاية. من خلال (دنيا)، تستكشف الإسلام كمساحة من الألوان والتعقيد، محتضنةً المناطق الرمادية والنور الذي يمكن أن تجلبه. إن إحاطة (دنيا) بأصدقاء وموجهين ذوي وجهات نظر مختلفة يسمح لإيمانها بالتطور من خلال الحوار لا من خلال الجمود.

اشتهرت لودي بعملها الواقعي حول الحشمة والهوية، بما في ذلك كتاب "Modesty: A Fashion Paradox" (الحشمة: مفارقة في الموضة)، وقد لجأت إلى الخيال لما يوفره من حرية. رواية "Turbulence" ليست سيرة ذاتية، وتلك المسافة سمحت لها بتخيل شخصيات معقدة وغير كاملة. ومن خلال منظور (دنيا) للعالم، تفكك لودي التحيزات المتوارثة عبر الأجيال وتفحص بهدوء جوانب الحياة في الخليج – لا سيما في النصف الثاني من الرواية، الذي تدور أحداثه في وجهة مجهولة الاسم يقصدها المغتربون بكثرة.

كانت الكتابة لكل من الجمهور الإقليمي والعالمي تحمل شعوراً لا يمكن إنكاره بالمسؤولية. تمتد مواضيع الصلاة والحجاب ومساحات النساء في المساجد والنسوية الإسلامية عبر الرواية، لكن لودي قاومت الضغط لجعل (دنيا) نموذجاً للمثالية. وبدلاً من ذلك، سمحت لبطلتها بأن تكون فوضوية، ومعيبة، وتبحث عن التعلم والحب وتساؤل إيمانها على طول الطريق. كان الهدف هو القدرة على الارتباط بالشخصية (Relatability)، وليس جعلها مثالية.

بعض أكثر لحظات الكتاب ذكراً حدثت خلف الكواليس؛ فقد كان الملاذ المفضل للودي للكتابة هو "تاليس سبا"، بينما تمت الكثير من عمليات التحرير في منتصف الرحلات الجوية، وهي مصادفة مناسبة لرواية تدور أحداثها إلى حد كبير على متن طائرة.

ماذا بعد؟

نالت النسخ المتقدمة الأولى من الرواية ثناءً كبيراً؛ حيث وصفتها الدكتورة صفية رحمن، الباحثة الإسلامية المقيمة في المملكة المتحدة، بأنها "تثير التفكير بهدوء، وحميمة، وشجاعة، وإنسانية بعمق"، بينما وصفتها الروائية الإيرانية الأمريكية مرجان كمالي بأنها "نابعة من القلب". لم تكن جميع الآراء إيجابية؛ فقد رفض أحد الوكلاء الأدبيين في الولايات المتحدة المخطوطة واصفاً إياها بأنها "شديدة الاستبطان" (introspective)، وهو انتقاد احتضنته لودي، مؤكدة أن "الاستبطان" (التأمل الداخلي) كان هو الهدف دائماً.

إن تجربة كتابة "Turbulence" تركت لودي متحمسة لمزيد من الأعمال الخيالية. لديها حالياً ثلاث روايات، كل منها اكتمل بنسبة الثلث تقريباً، تنتظر بصبر في الخلفية. وبين الطموح الإبداعي وتربية طفلين صغيرين، تدرك لودي أن التوقيت مهم. وعندما يحين الوقت المناسب، ستكون تلك القصص هي الأخرى جاهزة للإقلاع.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com