بصمة الأب.. المحرك الخفي لصحة الأطفال

ربطت دراسة طويلة الأمد شملت 292 عائلة أسلوب الأبوة بصحة قلب أطفالهم بعد سنوات.
كان أطفال الآباء الأقل انتباهاً في الدراسة أكثر عرضة للإصابة بصحة قلب أو أيض سيئة.  — Alamy / The New York Times

كان أطفال الآباء الأقل انتباهاً في الدراسة أكثر عرضة للإصابة بصحة قلب أو أيض سيئة.  — Alamy / The New York Times

تاريخ النشر

على مدار معظم القرن العشرين وما بعده، أرجع علماء الاجتماع مجموعة متنوعة من مشاكل الصحة العقلية المزمنة إلى خلل وظيفي في العلاقة بين الرضع وأمهاتهم، اللواتي صُنِّفن كمتسلطات، أو رافضات، أو مهيمنات، أو متذبذبات. لكن فريقاً من الباحثين في جامعة ولاية بنسلفانيا وجد أن سلوك الأب في التربية المبكرة قد يكون له أحياناً تأثير أكبر على صحة الأطفال.

وفي دراسة نُشرت مؤخراً في مجلة "علم نفس الصحة" (Health Psychology)، راقب العلماء التفاعلات الثلاثية بين رضع يبلغون من العمر 10 أشهر، وآبائهم وأمهاتهم، ثم تابعوا العائلات عندما بلغ الأطفال سن الثانية والسابعة.

ووجد الباحثون أن الآباء الذين كانوا أقل اهتماماً بأطفالهم (في عمر 10 أشهر) كانوا أكثر عرضة لمواجهة صعوبات في "التربية المشتركة"، حيث كانوا يميلون للانسحاب أو التنافس مع الأمهات على جذب انتباه الأطفال. وعند بلوغهم سن السابعة، كان أطفال هؤلاء الآباء أكثر عرضة لظهور مؤشرات على ضعف صحة القلب أو التمثيل الغذائي، مثل الالتهابات وارتفاع نسبة السكر في الدم.

وقال آلب آيتوغلو، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراه في كلية الصحة والتنمية البشرية بجامعة ولاية بنسلفانيا وأحد مؤلفي الورقة البحثية، إن سلوك الأمهات لم يكن له نفس التأثير. وأضاف آيتوغلو: "توقعنا بالطبع أن تؤثر ديناميكيات الأسرة، وكل فرد فيها من آباء وأمهات، على تطور الطفل — ولكن في هذه الحالة، كان الآباء هم المؤثرين فقط".

وأوضح أنه عندما يكون سلوك الأب سلبياً في التفاعلات الثلاثية، "بدأنا نرى كيف يمكن لهذه السلبية أن تتسرب إلى العائلة وتؤثر في النهاية على صحة الطفل".

وهناك أبحاث وفيرة تظهر أن الأطفال الذين ينشأون في منازل تعاني من ضغوط شديدة يواجهون مخاطر أكبر للإصابة بمشاكل صحية مثل السمنة والسكري، والوفاة المبكرة في وقت لاحق من الحياة. ويمكن للباحثين تتبع مستويات التوتر من خلال قياس مؤشرات الالتهاب، التي تنشط الجهاز المناعي في مواجهة الشدائد أو الاكتئاب، أو مستويات غلوكوز الدم، لأن البشر تطوروا لإنتاج الطاقة عند مواجهة الخطر.

لكن الأبحاث السابقة كانت تميل للتركيز على أسلوب تربية والد واحد، وعادة ما تكون الأم. ولتحسين فهم ديناميكيات الأسرة ككل، فحص فريق ولاية بنسلفانيا تفاعلات مسجلة بالفيديو مدتها 18 دقيقة للأمهات والآباء وأطفالهم وهم يلعبون في نقطتين زمنيتين، مع وضع درجات لحساسية الوالدين وتأثيرهم الإيجابي، ولدور التربية المشتركة مثل الانسحاب والتنافسية.

وقال آيتوغلو إن هذه السلوكيات كانت تظهر أحياناً عندما يحاول الأب تحويل انتباه الطفل عن الأم، وأضاف: "قد لا تنجح في جذب انتباه الطفل، وهذا قد يجعلك تنسحب. غالباً ما ينسحب الرجال، مقارنة بالأمهات، بسهولة عندما يشعرون أنهم لا يربحون (جولة جذب الانتباه)".

وعندما بلغ الأطفال سن السابعة، أخذ الباحثون عينات دم من أصابعهم لقياس أربعة مؤشرات التهابية وأيضية. وظهر ارتباطان صغيران إلى متوسطين في البيانات: الآباء الذين تفاعلوا بحساسية أكبر مع أطفالهم كانوا أفضل في التربية المشتركة؛ والأطفال الذين كان والداهم يمارسون التربية المشتركة بسهولة أكبر كانت لديهم مستويات أقل من "البروتين التفاعلي C" (CRP) و"الهيموغلوبين السكري" (HbA1c).

تؤثر هذه المؤشرات على الصحة على مدى فترة زمنية طويلة، مما يشير إلى أن الأطفال قد يكونون عرضة لخطر الإصابة بأمراض مزمنة في منتصف العمر أو بعده.

وقالت هانا شريير، الأستاذة المشاركة في الصحة السلوكية الحيوية في جامعة ولاية بنسلفانيا والمشاركة في تأليف البحث: "هذا لا يعني أن الآباء فقط هم من يهمون وليس الأمهات". وبدلاً من ذلك، أوضحت شريير أن التفاعل الإيجابي من قبل الآباء خلال مرحلة الرضاعة والطفولة المبكرة يحسن صحة الأسرة بأكملها.

ولتفسير هذه النتيجة، وضع المؤلفون ما يسمونه "فرضية ضعف الأب"، والتي تشير إلى أن الآباء يتفاعلون عاطفياً بشكل خاص مع التوتر بين الوالدين، وقد يتصرفون بطرق تؤثر سلباً على الأسرة بأكملها. وكتبوا أن دور الأب "قد يجعله بشكل فريد قناة للتوتر في العلاقات، مما يشكل في النهاية صحة الطفل".

وهناك تفسير آخر طرحه الباحثون، وهو أن الأطفال يقضون وقتاً أطول بمفردهم مع أمهاتهم، وبالتالي كانوا أكثر حساسية لسلوك آبائهم عندما يكونون في مجموعة. وقال آيتوغلو إن برامج إجازة رعاية الطفل قد تعالج هذا الاختلال من خلال السماح لكلا الوالدين بقضاء وقت مع أطفالهم وهم صغار جداً، معقباً: "إنها فرصة ضائعة لذلك الوالد الذي يضطر للذهاب وكسب المال".

من جانبه، قال غريغ ميلر، أستاذ علم النفس بجامعة نورث وسترن الذي يدرس كيفية تأثير التوتر على الصحة، إن الدراسات السابقة "لم تنظر إلى الآباء إلا نادراً"، لأن الباحثين عادة ما يطلبون من والد واحد فقط مرافقة الطفل للاختبار، وغالباً ما تكون الأم.

ويعكس هذا افتراضاً قديماً في علم النفس في أمريكا الشمالية بأن "الأمهات هن الأكثر تأثيراً في تشكيل رفاهية الأطفال"، كما قال ميلر، الذي لم يشارك في الدراسة، وأضاف: "نحن لا نعرف الدور الذي يلعبه الآباء لأننا لم ندرسهم". وأشار إلى أن سلوك التربية هو مجرد عامل واحد من عوامل كثيرة تشكل صحة الشخص في مرحلة البلوغ، إلى جانب أمور مثل التغذية والنشاط البدني، فالوالدان يمكنهما "تشكيل الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم الاجتماعي، والطريقة التي نواجه بها التحديات والتوتر".

وأوضح ميلر أن الباحثين سيضطرون لمعرفة ما إذا كان يمكن تكرار هذه النتائج، قائلاً: "إنها دراسة واحدة، لذا فنحن جميعاً نطرح الأسئلة، لكنها بالتأكيد خيط مثير للاهتمام".

بدورها، حذرت سارة شوبي-سوليفان، أستاذة علم النفس بجامعة ولاية أوهايو والتي لم تشارك في الدراسة، من أن الدراسة كانت "ارتباطية"، لذا فهي لم تثبت أن سلوك التربية تسبب في الآثار الصحية للطفل بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال، قالت إن بعض العائلات قد تشترك في عوامل وراثية تجعلها مهيأة لعلاقات أسرية متوترة ومشاكل في القلب. وأضافت: "يميل الناس للقفز إلى استنتاجات حول السبب والنتيجة، وهناك خطر من المبالغة في تفسير ذلك".

وأشارت إلى أن المشاركين في الدراسة — وهم آباء لأول مرة تم اختيارهم من برامج تعليم الولادة في ديلاوير وماريلاند وبنسلفانيا وتكساس — كانوا في الغالب من البيض، ومن عائلات الطبقة المتوسطة المكونة من والدين، مما يجعل من الصعب تعميم النتائج على مجتمعات متنوعة.

ومع ذلك، وصفت دراسة ديناميكيات الأسرة عبر الزمن بأنها "صعبة للغاية"، واصفة العثور على أي ارتباط ذي دلالة إحصائية بين السلوك الأبوي في مرحلة الرضاعة والصحة البدنية في سن السابعة بأنه "أمر مثير للإعجاب".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com