بادي دلول يرسم ملامح الاغتراب والحنين في دبي

في «صورة ذاتية مع قطة لا أملكها» يعيد الفنان السوري رسم حدوده بين الواقع والخيال، محولًا تفاصيل الحياة اليومية إلى خريطة للذاكرة والهوية
بادي دلول يرسم ملامح الاغتراب والحنين في دبي
تاريخ النشر

بالنظرة الأولى، قد يبدو عنوان «صورة ذاتية مع قطة لا أملكها» غريبًا وسرياليًا. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين يعرفون أعمال الفنان السوري الفرنسي بادي دلول، فإن هذا الاسم الطريف يخفي وراءه تساؤلات أعمق.

حاليًا فتح المعرض أبوابه في مركز جميل للفنون بدبي، وهو أول معرض فردي مؤسسي لدلول في دولة الإمارات، وهو محطة مهمة في مسيرته الفنية التي تتسم بحميميتها من جهة وبأفقها العالمي من جهة أخرى. يُعرف دلول بحرفيته الدقيقة وسرده الطبقي، حيث تتنقل أعماله بسلاسة بين الشخصي والسياسي، وتمزج بين الحقيقي والخيالي لتتأمل في مفاهيم الهوية والذاكرة والهجرة.

يشكل المعرض الفصل الثاني من سلسلته المستمرة أرض الأحلام التي افتتحت في متحف موري للفنون في طوكيو (2025)، وستنتقل لاحقًا إلى لشبونة. وفي عرض دبي، أعاد دلول تصور مساحة معيشته وعمله، محولًا القاعة إلى تركيب فني منزلي يحاكي شقته في المدينة. في هذا الفضاء الغامر، يلتقي الزوار بمجموعة من الرسومات ومجسمات علب الكبريت وصناديق الألعاب القديمة والأغراض اليومية المعاد توظيفها، وكل منها يقدم تأملات هادئة في معاني الاغتراب والانتماء والإرث الثقافي.

وبعد معارض سابقة في «المتحف العربي للفن الحديث» في الدوحة (2022)، و«دارة الفنون» في عمّان (2019)، يواصل دلول إثراء مسيرته الفكرية والفنية الفريدة.

القطة المقصودة

يقول دلول: «استوحيت العنوان من لوحة رأيتها على غلاف النسخة الفرنسية من رواية الضوء الأزرق للكاتب الفلسطيني حسين البرغوثي»، مضيفًا أن اللوحة كانت للفنان المصري عبدالهادي الجزار، «وهي لوحة سريالية لأحد البورتريهات». الرواية التي تتبع مهاجرًا فلسطينيًا يعيش اغترابًا في بلدة صغيرة على الساحل الغربي الأمريكي، وجدت صدى في تجربة دلول الخاصة بالهجرة إلى طوكيو. ويقول: «كلاهما كان يمشي ليلًا متأملًا وجوده في أرض غريبة».

وكانت أول صورة ذاتية رسمها، في شقته بطوكيو، نقطة انطلاق لمسيرته الخاصة: «كانت أول عمل من هذا النوع أقوم به. القطة لم تكن موجودة، لكن الإحساس كان موجودًا. ذلك الوجود المتخيل منحني الراحة والرفقة».

لطالما استكشف دلول في ممارسته الفنية التفاعل بين التذكر الشخصي والذاكرة الجمعية. يقول: «غالبًا ما تتعلم التاريخ من الكتب أو التلفاز، لكني نشأت أستمع إلى من حولي. قصصهم كانت مشبعة بالذاتية، بالعاطفة والذاكرة والصمت. وتلك الذاتية هي مصدر قوتها».

في معرض «صورة ذاتية مع قطة لا أملكها»، يتجلى هذا التوازن من خلال مئات الرسومات الدقيقة وعلب الكبريت وصناديق الألعاب والأغراض الشخصية، كل منها يعمل كساحة مصغرة ضمن سرد أكبر.

رسم الروابط

من بين الأعمال الجديدة في المعرض مجموعة بعنوان عصور الإمبراطوريات، وهي سلسلة من خمسين رسمة استلهمها دلول من كتاب ياباني في علم التنجيم الكوني من القرن التاسع عشر يُعرف بأونميو-دو، يربط القدر بملامح الوجه الجسدية. يقول دلول: «أدهشني أن المصير يمكن أن يرتبط بانحناءة الجفن أو عرض الجبين. بدأت أربط هذه الفكرة بصعود وسقوط الإمبراطوريات، البريطانية والروسية والبرتغالية واليابانية».

والنتيجة رحلة فسيفسائية عبر الزمن ومراكز القوة، تتقاطع فيها اللغات والرموز والمراجع القادمة من قارات مختلفة بطريقة تتحدى السرد التاريخي الغربي الخطي. ويوضح دلول: «لم يكن هدفي توجيه الاتهام، بل رسم شبكة من الروابط تُظهر مدى تداخل تلك الإرثات معًا».

ويقول إن تواضع حجم أعماله ليس مجرد خيار جمالي، بل ضرورة حياتية: «أنا أعيش حيث أعمل. إذا كان عملي كبيرًا جدًا، فلن يتسع لحياتي». هذا القيد المادي يتحول في فنه إلى إستراتيجية شعرية. فتصبح علب الكبريت معارض مصغرة، بينما تتحول صناديق البينتو، بتقسيماتها المرتبة، إلى أوعية للسرد. ويضيف: «الألعاب تظهر دائمًا في أعمالي، لأنها رموز للنجاح والفشل والمخاطرة. تذكرني بمرحلة الطفولة وبأخي جاد — وباللعبة التي كنا نتخيل فيها أننا ملوك على أراضٍ خيالية».

وفي داخل مركز جميل للفنون، يأخذ المعرض شكل نسخة من شقته في دبي، ليمكّن الزوار من الدخول إلى عالمه الخاص. التركيب الفني هو في الوقت ذاته منزل واستوديو وأرشيف ومذكرات. ويقول دلول: «أهم ما في التجربة بالنسبة لي أن يشعر الناس بالألفة، وكأنهم دخلوا غرفة شخص ما، وليس مجرد معرض فني».

الرحالة في العصر الجديد

وُلد دلول في باريس لأبوين سوريين، وتلقى تعليمه وعرَض أعماله في طوكيو والدوحة وعمّان، ويقيم حاليًا في دبي، لذلك ليس غريبًا عنه الشعور بالاغتراب. لكنه لا يرى تنقله المستمر كفقدان للجذور، بل كولادة متجددة: «كل مدينة جديدة تمنحني صفحة بيضاء. لكن مع كل قصة أقرر سردها، أحمل أيضًا مسؤولية. فهذه ليست قصصي وحدي، بل قصص الناس الذين عاشوها وائتمنوني عليها».

وتنعكس هذه الحساسية الثقافية أيضًا في طريقة عرضه لأعماله في أماكن مختلفة. ففي طوكيو، أعاد تكوين شقته لشرح خلفية رسوماته. أما في دبي، فقد توسع العرض ليشمل أعمالًا جديدة أُنتجت في المدينة، لتشكّل خريطة لتجربة حياة تتطور باستمرار. أما الفصل القادم في لشبونة، فيعد بتحوّل جديد.

يستخدم دلول في أعماله مواد بسيطة مثل القصاصات والصناديق والقطع الصغيرة والتذكارات، لكنها تحمل في طياتها حكايات عظيمة. يقول: «أرى الأبطال يوميًا — في سائقي سيارات الأجرة الذين يرسلون أموالهم لأسرهم، وفي الآباء الذين يربّون أبناءهم رغم ساعات العمل الطويلة. ربما يكون دوري هو أن أترجم تلك المعجزات الصامتة إلى شيء يمكن رؤيته».

وكانت استجابة الجمهور شديدة العاطفية: «بعض الناس بكى. قالوا إنني رسمت شيئًا لم يعبّروا عنه من قبل. هذا يعني لي أكثر من أي إشادة نقدية».

ردود الفعل النقدية

لكن أسلوب دلول لم يخلُ من النقد. «قال لي أحدهم ذات مرة إنني أجعل من معاناة الحرب والهجرة والتشريد شيئًا شاعريًا». ولا يرفض دلول هذا الرأي، بل يتأمله قائلاً: «إنه تساؤل مشروع. لكن جوابي أنني لست موثّقًا للواقع. الخيال يسمح بوجود الدعابة والرقة والحوار. العالم قاسٍ بما يكفي، ولا أريد أن أجعله أقسى. أريد أن أفتح مساحة للتعاطف».

وبعد نحو ثلاث سنوات في دبي، يتحدث دلول بحب عن المشهد الثقافي فيها: «ما أراه هنا هو مكان يمكن للجميع، مهما كانت خلفياتهم، أن ينموا ويزدهروا فيه. هناك تاريخ غني متجذر في قصص ريادية. هذا يمنحني الأمل بأن صوتي، إن عملت بصدق، سيجد له موضعًا هنا أيضًا».

وتفعل أعماله ذلك بالفعل، فهي هادئة لكنها حادة، حميمية وسياسية في آنٍ واحد. «صورة ذاتية مع قطة لا أملكها» ليست مجرد معرض، بل ثورة هادئة في الطريقة التي نفكر بها حول الانتماء والتاريخ وقوة التفاصيل الصغيرة.

"بورتريه ذاتي مع قطة لا أملكها" معروض في مركز جميل للفنون، دبي، من 20 سبتمبر 2025 إلى 22 فبراير 2026

wknd@khaleejtimes.com

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com