"الميزوفونيا": صراع صامت مع الأصوات اليومية يتجاوز حدود الانزعاج العادي

خبراء يحذرون من تأثيرها على الصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية، ويدعون لرفع الوعي الطبي للتمييز بين التحسس الصوتي والاضطراب السريري.
الصورة مستخدمة لأغراض توضيحية فقط

الصورة مستخدمة لأغراض توضيحية فقط

تاريخ النشر

في الفصول الدراسية المزدحمة، والمكاتب المفتوحة، وحتى حول طاولات الطعام العائلية، هناك صراع صامت لا يتحدث عنه الكثيرون: أصوات يومية بسيطة بالكاد يلاحظها الآخرون، لكن البعض يجدها غير محتملة تقريباً.

ومع نمو الوعي يحث المتخصصون السكان على عدم اعتبار هذه الحالة مجرد انزعاج بسيط. بالنسبة للكثيرين، يعد "الميزوفونيا" (حساسية الصوت الانتقائية) معركة يومية تستحق التفهم والاعتراف والرعاية المناسبة.

أوضح متخصصو الرعاية الصحية أن هذه الحالة بالنسبة لمن يعانون منها يمكن أن تحول اللحظات العادية إلى تحديات مرهقة بشكل غير متوقع. فالمهمات البسيطة - مثل محاولة متابعة درس بينما ينقر زميل بالقلم، أو الاستمتاع بوجبة بينما يمضغ شخص ما بصوت عالٍ - تتطلب فجأة جهداً ذهنياً هائلاً لمجرد البقاء في حالة هدوء وتركيز.

تناولت دراسة حديثة مدرجة في "PubMed" بعنوان "تأثير الميزوفونيا على الأحكام المعرفية والاجتماعية"، كيف تؤثر الأصوات المحفزة على العمليات العقلية، وقد يرى العديد من سكان الإمارات الذين يعانون في صمت تجربتهم الخاصة تنعكس في نتائج هذه الدراسة. تشير الأبحاث إلى أن الميزوفونيا تتجاوز مجرد الانزعاج؛ فعندما يتم استثارة الشخص، يمكن أن يؤدي ذلك إلى قطع الانتباه، وتشويش الحكم الاجتماعي، والتأثير على الذاكرة، وتعطيل المعالجة المعرفية الشاملة.

وفي "بودكاست" للجمعية الأمريكية لعلم النفس، قالت الدكتورة هيذر هانسن، الأستاذ المساعد في علم النفس بجامعة "ويليام آند ماري": "أعتقد أن أولى الأبحاث ظهرت في عام 2001 تقريباً، لذا فإن هذا المجال لا يزال جديداً نسبياً مقارنة بالكثير من الاضطرابات الأخرى. وقد جاء ذلك من مرضى مختلفين ترددوا على متخصصين في علم السمع".

المرضى لا يفهمون التجارب بشكل كامل

في العيادات المحلية، سلط الأطباء الضوء على أنهم يرون بشكل متزايد مرضى لا يفهمون تماماً ما يمرون به. وأوضحت الدكتورة ليخا كابور، استشارية الأنف والأذن والحنجرة في مستشفى ميدكير بالشارقة، أن الخطوة الأولى هي التمييز بين الانزعاج اليومي العادي والقلق السريري المرضي.

"التمييز بين الانزعاج العادي والميزوفونيا يبدأ بنهج سريري منظم. أي شخص يقدم مثل هذه الشكاوى يتم تقييمه أولاً من خلال فحص كامل للأنف والأذن والحنجرة للتأكد من أن الأذنين، والأذن الوسطى، والأذن الداخلية، ومستويات الاستجابة، وردود الفعل طبيعية. تهدف هذه الخطوة إلى استبعاد أي مشاكل متعلقة بالسمع وتحديد ما إذا كانت الحساسية للصوت متجذرة في مشكلة سمعية أم في شيء أعمق."

بمجرد استبعاد الأسباب الطبية، يتم استخدام "استبيان أمستردام للميزوفونيا". تساعد هذه الأداة في تحديد ليس فقط وجود الميزوفونيا، ولكن أيضاً شدتها، سواء كانت خفيفة أو معتدلة أو شديدة أو حادة.

"كثيراً ما لا يفهم الناس تماماً ما يحدث لهم ويأتون وهم يشعرون بالارتباك أو الانزعاج أو عدم اليقين بشأن ما إذا كانت تجربتهم حقيقية. يمكن لردود أفعالهم تجاه الأصوات المحفزة أن تؤثر على كل من الإدراك والحكم الاجتماعي، مما يشير إلى أن المشكلة تمتد إلى أنماط تفكيرهم وتفاعلاتهم. وفي الحالات الشديدة، يمكن أن تدفع هذه الاضطرابات الشخص نحو الانسحاب الاجتماعي، أو توتر العلاقات، أو حتى استجابات عاطفية حادة."

وصدى وصفها لما ورد في نتائج الدراسة - يمكن أن يمتد تأثير الميزوفونيا ليشمل الذاكرة والإدراك والسلوك الاجتماعي. وفي بعض الحالات، يمكن أن تكون العواقب العاطفية وخيمة.

"بالنسبة للبعض، يكون التأثير عميقاً جداً لدرجة أنه يؤدي إلى ضائقة شديدة. وفي حالات معينة، ارتبطت الأعراض بعواقب عاطفية حادة، بما في ذلك الميول الانتحارية." ويقول الأطباء إن العديد من المرضى يعانون من مخاوف نفسية متداخلة - مثل القلق أو الاكتئاب أو التوتر المتزايد - مما يزيد من حدة الاضطرابات المعرفية والاجتماعية التي تثيرها الأصوات اليومية.

ورغم ذلك، لا يزال الوعي في معظم البلدان محدوداً. "لا يزال الوعي بالميزوفونيا منخفضاً في دولة الإمارات، ولا يدرك الكثير من الناس وجود هذه الحالة، مما قد يمنعهم من طلب الرعاية الطبية. ويبدو أن مستويات الوعي أعلى في الدول الغربية."

كيف تؤثر على العلاقات يرى الأطباء النفسيون في دولة الإمارات أيضاً أن الحالة تؤثر على عمل الأشخاص، وعلاقاتهم الشخصية، وحتى قدرتهم على المشاركة بارتياح في الأوساط الاجتماعية. وقالت الدكتورة أمل عطوة إبراهيم، استشارية الطب النفسي بمستشفى إن إم سي التخصصي في أبوظبي ومستشفى إن إم سي رويال بمدينة خليفة، إن الأصوات العادية تبدو ساحقة لبعض الناس.

"الميزوفونيا هي حالة يعاني منها بعض الأفراد حيث تصبح الأصوات العادية واليومية مزعجة للغاية. وهذا يمكن أن يؤدي إلى توتر شديد، وفي بعض الأحيان، صعوبة في التأقلم مع الحياة اليومية."

وأكدت أن الفرق بين الانزعاج الطبيعي والميزوفونيا يكمن في مدى عمق تأثير الأصوات على أداء الشخص لمهامه. "إذا كانت بعض الأصوات تؤثر على التركيز أو الحالة المزاجية أو الطريقة التي يحكم بها الشخص على المواقف الاجتماعية، فقد تكون هذه علامات على الإصابة بهذه الحالة."

بالنسبة للكثيرين، يمتد التأثير المتسلسل ليشمل المسؤوليات اليومية والعلاقات. "الأصوات المحفزة - مثل المضغ أو التنفس العالي - يمكن أن تكون مشتتة جداً لمن يعانون من الميزوفونيا لدرجة أنهم يجدون صعوبة في التركيز على المهام اليومية، مما قد يؤثر سلباً على علاقاتهم الشخصية والمهنية. قد يصبح بعض الأفراد أكثر عزلة ويجدون صعوبة في إدارة عواطفهم في المواقف الاجتماعية."

وأشار الأطباء إلى أن الأدوات البسيطة - مثل سماعات إلغاء الضوضاء، أو سدادات الأذن، أو الضوضاء البيضاء (white noise) - يمكن أن تساعد الأشخاص في إدارة المثيرات. وأضافت الدكتورة أمل أن المساعدة المهنية يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com