الحارث المنصوري: من تحدي الثلاسيميا إلى نجم التخرج.. قصة صمود وإلهام في الإمارات
عندما كان الحارث حميد المنصوري يبلغ من العمر بضعة أشهر فقط، تلقت عائلته خبرًا مفجعًا شكّل مستقبلهم بعد سبعة عشر عامًا. شُخّص ابنهم الرضيع بالثلاسيميا، وهو اضطراب دم وراثي يتطلب زيارات منتظمة للمستشفى ونقل دم، ومستقبلًا غامضًا.
واليوم، وعلى الرغم من كل الصعوبات، يقف الحارث فخوراً كخريج مدرسة ثانوية، دفعة 2025، من رأس الخيمة، كمنارة أمل للعائلات التي تواجه تحديات مماثلة في جميع أنحاء الإمارات العربية المتحدة.
وقال المراهق الإماراتي: "رغم التحديات الصحية التي مررت بها، إلا أنني تمكنت من تحقيق هذا الإنجاز بفضل الله ودعم عائلتي ووطني".
رحلة الشاب ذي السبعة عشر ربيعًا من سرير المستشفى إلى مرحلة التخرج لم تكن مجرد انتصار شخصي، بل تُجسّد قوة دعم عائلته الراسخ، وتميز نظام الرعاية الصحية في الإمارات العربية المتحدة، والأهم من ذلك، الروح القوية لشابٍ رفض أن يُحدّد مرضه مستقبله.
الثلاسيميا هو اضطراب وراثي في الدم يسبب نقص في إنتاج الهيموجلوبين، وهو البروتين الموجود في خلايا الدم الحمراء الذي يحمل الأكسجين في جميع أنحاء الجسم.
بالنسبة للحارث، كان هذا يعني طفولة تتخللها زيارات منتظمة للمستشفى كل أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع لنقل الدم، إلى جانب العلاج المستمر والحقن والأدوية التي أصبحت روتينية مثل الذهاب إلى المدرسة.
تؤثر هذه الحالة على آلاف الأشخاص في جميع أنحاء العالم، حيث أن منطقة الشرق الأوسط لديها واحدة من أعلى معدلات الانتشار بسبب العوامل الوراثية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، أنشأت الحكومة مراكز متخصصة لتوفير الرعاية الشاملة لمرضى الثلاسيميا، إدراكاً منها للالتزام الطويل الأمد المطلوب لإدارة هذه الحالة المزمنة.
كانت فترة العلاج صعبة، لكن المرض لم يوقفني، قال الحارث. كنت أراجع دروسي من هاتفي أو حاسوبي المحمول حتى أثناء وجودي في المستشفى، وكانت والدتي دائمًا معي، تقرأ لي وتساعدني في دراستي، وتسهر معي حتى لا أضيع العام الدراسي.
عملية زرع تغير الحياة
بعد سنوات من إدارة حالته من خلال عمليات نقل الدم والأدوية المنتظمة، شهدت رحلة الحارث الطبية منعطفًا دراماتيكيًا عندما أصبح مؤهلاً لعملية زرع نخاع العظم.
كان المتبرع شخصًا عزيزًا جدًا على قلبه: أخته، التي بادرت بمنح أخيها ما وصفه بـ"حياة جديدة". وأعرب الحارث عن امتنانه العميق لأخته: "لقد تبرعت لي بنخاع عظمها، ومنحتني حياة جديدة، جزاها الله خيرًا".
بعد رحلة علاج طويلة، خضع لعملية زراعة نخاع عظم في الإمارات العربية المتحدة. تُعدّ هذه العملية من أهمّ التدخلات الطبية المتاحة لمرضى الثلاسيميا.
تتضمن العملية استبدال نخاع العظم المصاب لدى المريض بنخاع عظم صحي من متبرع متوافق، مما قد يوفر علاجًا محتملًا لهذه الحالة.
ومع ذلك، فإن العملية معقدة وتتطلب تحضيرات مكثفة، ومطابقة دقيقة، وأشهرًا من التعافي.
بالنسبة للحارث، لم تكن عملية زراعة الأعضاء مجرد إجراء طبي، بل كانت بوابةً لمستقبلٍ لطالما حلم به. فجأةً، أصبح من الممكن العيش دون الحاجة المستمرة لنقل الدم، والذهاب إلى المدرسة دون انقطاعات طبية متكررة، والسعي لتحقيق طموحاته دون قيود حالته الصحية.
التعليم من خلال الشدائد
كان دعم إدارة مدرسته بالغ الأهمية خلال هذه الفترة العصيبة. بقيادة خديجة الشاملي، بذل طاقم المدرسة قصارى جهده لضمان استمرار الحارث في تعليمه رغم ظروفه الصحية.
ولعب المعلمون، ومن بينهم هنادي النعيمي، وناعمة الشحي، وجاسم الحمادي، أدوارًا مهمة في دعم مسيرته الأكاديمية.
أعرب الحارث عن امتنانه لإدارة مدرسته، وعلى رأسها خديجة الشميلي، التي حرصت على استمراره في الدراسة. كما شكر المعلمين هنادي النعيمي، وناعمة الشحي، وجاسم الحمادي، الذين كان لهم دورٌ كبيرٌ في دعمه طوال مسيرته التعليمية.
شبكة من الدعم الثابت
يقف وراء إنجاز الحارث الباهر شبكة من الداعمين الذين ساهم تفانيهم واهتمامهم في نجاحه. وفي قلب هذه الشبكة عائلته، التي شكّل حبها وتضحياتها أساس صموده.
قال الحارث بصوتٍ مفعمٍ بالعاطفة: "كانت أمي روحي الثانية في تلك الفترة. لم تفارقني قط، سهرت معي، وقفت بجانبي لحظةً بلحظة. كان والدي سندي، وكان دائمًا يرفع معنوياتي".
تجاوز تفاني والدته الرعاية الأبوية التقليدية. أصبحت شريكة دراسته، تقرأ له أثناء إقامته في المستشفى، وتساعده على مراجعة دروسه عندما كان ضعيفًا جدًا بحيث لا يستطيع التركيز على دروسه.
ولم يوفر وجودها الدعم العملي فحسب، بل وفر أيضًا الاستقرار العاطفي خلال اللحظات الأكثر تحديًا في علاجه.
امتد التزام العائلة إلى إخوته، الذين قدموا له الدعم المعنوي طوال رحلته. قال الحارث: "وقف إخوتي وأخواتي بجانبي عاطفيًا في كل لحظة. كان دعمهم لا يوصف".
إلى جانب عائلته المباشرة، حظي الحارث بدعم شخصيات بارزة في المجتمع الإماراتي. فقد قدّم له المستشار وعضو المجلس الوطني سلطان بن يعقوب الزعابي دعمًا وتشجيعًا كبيرين طوال مسيرته.
وتوجه الحارث بالشكر الخاص إلى سلطان بن يعقوب الزعابي الذي وقف بجانبه وقدم له الدعم الكبير طوال رحلته.
كان الدعم الطبي الذي تلقاه الحارث شاملاً بنفس القدر. فمركز دبي للثلاسيميا، الذي رافقه منذ طفولته، لم يقدم له الرعاية الطبية فحسب، بل قدم له الدعم المعنوي والتشجيع طوال رحلة علاجه.
وأعرب الحارث عن امتنانه العميق لمركز دبي للثلاسيميا الذي رافقه منذ الصغر، منذ بداية رحلة علاجه، وكان له الدور الأكبر في دعمه ومساعدته على الاستمرار.
ووجه شكره الخاص للدكتور نجم على رعايته واهتمامه، وكذلك الإدارة وجميع الطاقم الطبي الذين لم يقصروا معه وكانوا دائماً مصدر أمان وتشجيع.
أحلام شفاء الآخرين
لقد شكّلت تجربة الحارث كمريض رؤيته للمستقبل بشكل كبير. فبدلاً من أن تثنيه سنوات العلاج الطبي، ألهمته مسيرته المهنية في مجال الرعاية الصحية، وتحديداً كأخصائي أشعة.
قال الحارث بثقة: "حلمي أن أصبح أخصائي أشعة. أريد دخول المجال الطبي لأنني عشت المعاناة وأعرف معنى أن يكون المريض متألمًا. أريد مساعدة المرضى، وأن أكون سببًا في تخفيف آلامهم، كما رزقني الله بمن خفف عني هذا العبء".
يُعد اختياره لتخصص الأشعة ذا أهمية بالغة. إذ يلعب دوراً محورياً في تشخيص ومراقبة حالات مثل الثلاسيميا، وتمنحه خبرة الحارث الشخصية في هذا المجال رؤيةً فريدةً حول منظور المريض.
ولعل الجانب الأكثر قوة في قصة الحارث ليس انتصاره الشخصي فحسب، بل التزامه بالدفاع عن الآخرين الذين يواجهون تحديات مماثلة.
بعد أن عاش مع مرض الثلاسيميا لمدة 17 عامًا، اكتسب فهمًا عميقًا للصعوبات الفريدة التي يواجهها المرضى الذين يعانون من هذه الحالة، وخاصة المفاهيم الخاطئة والتمييز الذي يواجهونه في كثير من الأحيان.
وقال الحارث: "لقد عشت تجربة الثلاسيميا بكل تفاصيلها، وأعرف تماماً كيف يعاني المرضى في صمت، والمشكلة أن مرضى الثلاسيميا لا يظهرون التعب ظاهرياً، مما يجعل البعض يظنون أنهم بصحة جيدة، لكن الواقع مختلف تماماً".
الإعاقة غير المرئية
تُشكّل هذه الطبيعة الخفية للثلاسيميا تحديات فريدة للمرضى. فعلى عكس الإعاقات أو الحالات الأكثر وضوحًا، يكون تأثير الثلاسيميا داخليًا في معظمه، مما يُصعّب على الآخرين فهم المعاناة اليومية التي يواجهها المرضى.
إن التعب المنتظم، والحاجة إلى مواعيد طبية متكررة، والآثار الصحية طويلة الأمد ليست واضحة على الفور للمراقبين العاديين.
مع الأسف، لا تنظر العديد من المؤسسات إلى مرضى الثلاسيميا بنفس الطريقة التي تنظر بها إلى أصحاب الهمم، كما أوضح الحارث. وأضاف: "عندما يتقدمون للوظائف، يُستبعدون بمجرد معرفة حالتهم الصحية، رغم قدرتهم على الإنجاز والتفوق إذا أتيحت لهم الفرصة".
يتجاوز نشاطه الدعائي تجربته الشخصية ليشمل دعوةً أوسع نطاقًا للتغيير الشامل. قال: "رسالتي للمسؤولين هي أن ينظروا إلى هذه الفئة بإنصاف، وأن يمنحوها حقها في العمل والعيش بكرامة. لقد مرّوا بتجارب صعبة، وما زالوا صامدين. أنا واحد منهم، وآمل أن أكون صوتًا ينقل معاناتهم، وأن يكون لي دور في إحداث التغيير".
من متلازمة تكيس المبايض إلى الألم المزمن، هل يُمكن للشفاء العاطفي أن يُحسّن صحة المرأة؟ الإمارات العربية المتحدة: مشروع وقفي بقيمة 70 مليون درهم لدعم أصحاب الهمم والمرضى المزمنين. هل تعانين من ألم مزمن؟ قد تكون مشاعركِ مفتاح التحسن.

