"الثقة هي أساس الحب."
"الحب مبني على الثقة."
"أفضل دليل على الحب هو الثقة."
"حيث لا توجد ثقة، لا يوجد حب."
هذه بعض الاقتباسات التي يمكن العثور عليها عند البحث في "غوغل" عن الفرق بين أعظم قيمتين عرفتهما البشرية: الحب والثقة — وهما يشكّلان جوهر الحياة. وبحسب التعاريف المتداولة، فإن الحب — رغم كونه أسمى المشاعر — ليس بالأمر الجلل، بل هو مجرد قمر صغير يدور في فلك كوكب الثقة، داخل مجرة الحياة.
الثقة هي الأساس. إذا كلف رئيس ثاني أكبر ديمقراطية في العالم شركة تصنيع سيارات بتوظيف وفصل آلاف العمال الذين يساهمون في إدارة اقتصاد بقيمة 29 تريليون دولار، فهذه ثقة متبادلة بين المليارديرين المجنونين - خيراً كان الأمر أم شراً.
عندما يُرسل الآباء أبنائهم إلى المدرسة، فإنهم يثقون بالمعلم ليرعاهم ويغرس فيهم القيم الحميدة. وعندما نجلس على كرسي الحلاق للحلاقة ونغفو بسلام، فإننا نثق بالرجل الذي يمسك بشفرة حادة بالقرب من رقبتنا ووجهنا.
وعندما نستعين بمُقدّم رعاية للاعتناء بفرد طريح الفراش من العائلة، فإننا نمنح ثقة كاملة ليدٍ تحفظ آخر أنفاس الحياة. وحين نوقّع على نموذج الإقرار قبل بدء العملية الجراحية، فإننا نُسلّم مصيرنا لخبرة الجراحين لعلاجنا.
عندما يُنقل مريضٌ على عجل إلى قسم الطوارئ، نثق بالأطباء ونتمنى لهم التوفيق في وضع تشخيص دقيق. فهم لا يملكون مرجعاً جاهزاً للرجوع إليه في وحدة العناية المركزة، كدليل الطيران الذي يلجأ إليه الطيارون في حالات الطوارئ على متن الطائرة.
وسط المواقف المصيرية والحاسمة بين الحياة والموت، لا شيء يعلو على الثقة. وهذه ليست إشادة عابرة لمهنة بعينها، ولا تمجيداً لمجال الطب لكون أولادي يعملون فيه، أو لأن بعض الأطباء المعروفين في الإمارات يتابعون ما أكتب. لطالما كان لدي إيمان عميق بالكوادر الطبية، من أطباء وممرضين ومقدّمي الإسعافات الأولية. وبعد تجاربي الشخصية مع حالات طارئة، أرى فيهم طينة نادرة من البشر، يعملون بصمت وإيثار لا يُوصف للحفاظ على نبض الإنسانية حيّاً، كل يوم.
فقدت أصدقاء أعزاء لأنهم وثقوا بمعلومات مغلوطة من محادثات "واتساب" لعلاج أمراضهم المزمنة. أحدهم كان يؤمن أن الطب الطبيعي قادر على إذابة خمس انسدادات في شرايين قلبه. وآخر، رغم معاناته من أمراض متعددة، انساق وراء نظريات كاذبة على مواقع التواصل وتجاهل احتياطات الوقاية من وباء كوفيد، فخسر معركته مع الجائحة، وكانت النتيجة مأساوية.
بعد خروجي مباشرةً من العناية المركزة، وقنية الأكسجين لا تزال على وجهي، قال لي الطبيب: "يا لك من محظوظ". سألته إن كان بإمكاني مواصلة رحلتي العزيزة إلى جبال الهيمالايا، وهي رحلة تستغرق 15 يوماً من تورتوك، القرية الأخيرة الواقعة بين سلسلة جبال كاراكوروم وجبال الهيمالايا.
رد الطبيب قائلاً: "بالطبع، يمكنك ذلك".
لقد وثقتُ به للغاية، وسافرتُ حتى وصلتُ إلى إقليم لاداخ التابع للاتحاد الهندي، والذي أخذني من الحدود مع باكستان في تورتوك إلى بحيرة بانغونغ على الحدود الصينية. كانت الرحلة عبر خاردونغلا وتشانغ لاه، أعلى وثاني أعلى ممرات السيارات في العالم، بارتفاع ١٨٣٨٠ و ١٧٦٨٨ قدماً.
دخلتُ المستشفى مرتين، وكنتُ ألهث بحثاً عن الهواء، وأشعر برعشة مرعبة تسري في عمودي الفقري. في المرة الأولى التي نُقلتُ فيها إلى مستشفى سونام نوربو التذكاري في ليه-لاداخ، على ارتفاع 11,482 قدماً فوق مستوى سطح البحر، قامت ممرضتان بإعطائي الأكسجين لساعات، وعلّمتاني تمارين التنفس لتعويض نقص الأكسجين. على ارتفاع 5000 متر (حوالي 16,400 قدم)، لا تتجاوز كمية الأكسجين المتاحة لك مع كل نفس 55% من الكمية المتاحة عند مستوى سطح البحر.
سألني طبيب شاب: "ما هي وجهتك القادمة هنا، يا سيدي؟"
وأجبته قائلاً: "بانغونغ. إنها رحلة أحلامي. على ارتفاع 14,270 قدماً فوق مستوى سطح البحر"، تُعد هذه البحيرة الزرقاء الهادئة الواقعة على الحدود مع الصين واحدة من أعلى المسطحات المائية المالحة في العالم.
قال وهو يُحرر إصبعه من جهاز قياس الأكسجين بعد قياس نسبة الأكسجين في دمي: "ألا تحب حياتك؟" "إنها ٨٠ فقط".
قلت له: "عليّ أن أذهب إلى بانغونغ. لقد حجزتُ خيمةً للمبيت بجانب الضفاف."
وقال: "اسمع، بالنظر إلى أمراضك المصاحبة، أنصحك بأن لا تذهب. إذا حدث شيء ما ليلاً، ستكون ميتاً بحلول الوقت الذي تأتي فيه مروحية عسكرية لإنقاذك.
قلت: "آسف، يجب أن أذهب."
قال: "إذاً لا تَمكُثْ ليلاً، ارجع بعد الظهر." فوافقت، أما البقية، فهي قصة قيصر الشهيرة: "فيني فيدي فيتشي، ومعنى ذلك: "أتيت، فرأيت، فانتصرت."
منذ عدة سنوات، عندما دعاني الجيش الأمريكي لحضور أول رحلة لطائرة أوسبري العمودية القوية في دولة الإمارات، طُلب مني الحصول على إذن من طبيبي، لأنها قد تعرض قلبي لقوى تفوق قوة الجاذبية (1G).
واتصلت بطبيب القلب الخاص بي من مطار آل مكتوم الدولي للحصول على موافقته، سألته:"هل يمكنني قيادة طائرة أوسبري؟"
فردّ قائلاً: "اذهب يا رجل، أنا أثق بقلبك أكثر من ثقتي بك".
لم أستطع إلا أن أكتب عن الأمر بعد مشاهدتي لمقطع فيديو يُظهِر ممرضتين تتمسكان بحديثي الولادة أثناء الزلزال المدمر بقوة 7.7 درجات الذي ضرب ميانمار في 28 مارس/آذار.
أظهرت لقطات من كاميرات المراقبة في وحدة ولادة في رويلي، وهي مدينة صينية قرب الحدود مع ميانمار، ممرضة راكعة لحماية رضيع، بينما تشبثت أخرى بأطفال آخرين في أسرّتهم، بينما كان المستشفى يهتزّ بعنف. كان ذلك عرضاً هائلٌاً للشجاعة والإيثار في مواجهة الموت.
أُشيد بكل من "شيونغ جيلان" و "لي شياو تشينغ" كبطلات بعد انتشار الفيديو على نطاق واسع. وقالت "شياو تشينغ" لاحقاً لوسائل الإعلام المحلية "كان هدفنا حماية المواليد، لأننا في النهاية نملك القدرة على التحرك، أما هم، فلا حول لهم ولا قوة".
صدقني، الثقة هي العلاج الوحيد لجميع الأزمات البشرية، سواء كانت مجتمعية، طائفية، جغرافية، سياسية، أو شخصية.