العمل من المنزل.. "إكسير" الخصوبة الجديد

وُلد حوالي 290 ألف طفل إضافي سنويًا في الولايات المتحدة منذ أن عزز وباء كوفيد فرص العمل من المنزل
ألكسندر لوفيناز/نيويورك تايمز

ألكسندر لوفيناز/نيويورك تايمز

تاريخ النشر

ترغب إدارة ترامب بشدة في أن ينجب الأمريكيون المزيد من الأطفال. فقد دعا الرئيس ترامب، الذي يصف نفسه بـ "رئيس الإخصاب"، إلى "طفرة مواليد" (Baby Boom) جديدة. ويقول وزير النقل شون دافي إن المجتمعات التي تضم عائلات كبيرة يجب أن تحصل على المزيد من الأموال الحكومية. كما حذر إيلون ماسك، حليف ترامب المتقلب وأب لـ 14 طفلاً على الأقل، من أن "الحضارة ستختفي" إذا لم ننشغل بالإنجاب.

وبسبب الذعر من انخفاض معدلات الخصوبة ــ التي سجلت مستوى منخفضاً قياسياً بلغ 1.6 طفل لكل امرأة في عام 2024 ــ طرحت الإدارة كافة أنواع الأفكار لتشجيع الإنجاب، بدءاً من إطلاق "حسابات ترامب" بقيمة 1000 دولار لحديثي الولادة، وصولاً إلى طلب مقترحات خارجية مثل "ميداليات الأمومة" للأمهات اللاتي لديهن ستة أطفال على الأقل.

ومع ذلك، تبدو الإدارة غافلة عن حل مثبت وموجود أمام أعيننا مباشرة، ولا يكلفها شيئاً: العمل الهجين.

ببساطة، العمل من المنزل يحفز الخصوبة. ووفقاً لورقة بحثية من جامعة ستانفورد، وُلد حوالي 290,000 طفل إضافي سنوياً في الولايات المتحدة منذ أن عززت جائحة كوفيد فرص العمل من المنزل. وقال نيكولاس بلوم، الخبير الاقتصادي في ستانفورد وأحد مؤلفي الدراسة، إنه إذا انتقل كلا الوالدين من العمل بدوام كامل في المكتب إلى العمل من المنزل يوماً واحداً على الأقل في الأسبوع، فسينجبان في المتوسط حوالي 0.5 طفل إضافي، مما يدفع المعدل نحو مستوى "الإحلال" البالغ 2.1. ويرجع ذلك إلى توفر الفرصة والوقت؛ إذ قال لي بلوم: "لا يمكنكِ الحمل عبر البريد الإلكتروني"، موضحاً أن تقليل وقت التنقل يعني توفير مزيد من الوقت لتربية الأطفال. ووصف بلوم العمل من المنزل بأنه "أكثر سياسة فعالة لتعزيز الخصوبة موجودة حالياً".

وقد شهدت دول أخرى طفرة مماثلة؛ ففي النرويج، أدى إغلاق عام 2020 إلى "زيادة كبيرة ومستمرة في المواليد بعد تسعة أشهر"، وفقاً لإحدى الدراسات. وفي إيطاليا، أدت ترتيبات العمل المرنة إلى إبلاغ الرجال والنساء على حد سواء عن زيادة الرغبة في إنجاب المزيد من الأطفال. وخلصت دراسة في ألمانيا إلى أن انتشار الإنترنت عالي السرعة بين عامي 2008 و2012 أدى إلى زيادة الخصوبة بين النساء ذوات التعليم العالي، لأنه سمح لهن بالعمل من المنزل. كما تستكشف كل من طوكيو وكوريا الجنوبية سياسات العمل المرنة لتعزيز معدلات الخصوبة.

ورغم ذلك، قدم ترامب مثالاً سيئاً بشأن العمل عن بُعد، حيث طالب في يومه الأول بضرورة "عودة الموظفين الفيدراليين للعمل حضورياً". وحذت حذوه عشرات الشركات الكبرى، حيث قلصت أو ألغت خيارات العمل الهجين وعن بُعد، بما في ذلك شركات "باراماونت" و"ديل" و"تيك توك"، على الرغم من الأبحاث المكثفة التي تظهر أن العمل من المنزل لا يقلل الإنتاجية، بل قد يعززها بالفعل، مع جعل الموظفين أكثر سعادة.

في الوقت نفسه، تتراجع إدارة ترامب والشركات الأمريكية عن السياسات التي تدعم الوالدين العاملين. فقد اقترحت الإدارة تضييق نطاق حماية العمالة للنساء الحوامل، وإلغاء العديد من إجراءات مكافحة التمييز ضد النساء. ومؤخراً، حاولت تجميد تمويل رعاية الأطفال لخمس ولايات يقودها ديمقراطيون في أعقاب اتهامات بالاحتيال المالي في مراكز الرعاية النهارية في مينيسوتا (على الرغم من أن قاضياً فيدرالياً أوقف هذا الإجراء مؤقتاً).

كما خفضت الشركات الكبرى الإنفاق على المساعدة في رعاية الأطفال والرعاية الصحية للأطفال المعالين، في وقت تزداد فيه تكلفة رعاية الأطفال بضعف معدل التضخم العام. وتفرض الشركات عقوبات على النساء اللاتي يعملن من المنزل، حيث كشف تقرير من "ماكينزي" و"Lean In" أنهن أقل عرضة للترقية بكثير مقارنة بالرجال الذين لديهم جداول زمنية مماثلة.

وبدلاً من حصول الأمهات العاملات على الدعم الذي يحتجن إليه لإنجاب المزيد من الأطفال، يتم إخراجهن من القوى العاملة تماماً. فقد وصلت مشاركة النساء في سن الذروة في سوق العمل إلى ذروتها في أغسطس 2024، مدفوعة بشكل كبير بالأمهات اللاتي لديهن أطفال دون سن الخامسة واللاتي تمكنّ من العمل من المنزل. والآن، تغادر بعض هؤلاء الأمهات، وخاصة الحاصلات على درجات جامعية، العمل المأجور، فيما أطلق عليه ماثيو نستلر، كبير الاقتصاديين في شركة "KPMG"، اسم "الخروج العظيم" (The Great Exit). وأكد أن أوامر العودة إلى المكاتب هي "أحد الأسباب الرئيسية" لهروب النساء.

ويرى العديد من المحافظين البارزين الذين يعتبرون أنفسهم مؤيدين للإنجاب وقلقين بشأن انخفاض المواليد، أن الحل يكمن في العودة إلى الأسر النووية "التقليدية"، حيث يبقى أحد الوالدين (دعونا نواجه الحقيقة، إنها الأم) في المنزل. وقد جادل "جي دي فانس" في مقال رأي بصحيفة "وول ستريت جورنال" عام 2021 بأن "الأطفال الصغار يمكن أن يتضرروا من قضاء ساعات طويلة في رعاية الأطفال". وكتب أن وجود "المزيد من الآباء (وخاصة النساء) في القوى العاملة" يأتي على حساب أطفال "أقل سعادة وأقل صحة".

قد ترغب بعض النساء في البقاء في المنزل، وهذا أمر رائع، لكن الغالبية العظمى من الأمهات يرغبن في العمل بدوام كامل أو جزئي، وفقاً لبيانات استطلاع "بيو". وعندما يفعلن ذلك، فإنهن يعززن الاقتصاد؛ إذ ساعد تدفق النساء إلى سوق العمل بعد الجائحة في تجنب ركود اقتصادي كان الاقتصاديون يتوقعونه لعامين تقريباً.

إن زيادة المرونة في العمل ليست الحل الوحيد لانخفاض معدلات الخصوبة، التي تتراجع منذ عقود نتيجة للتحضر، وتوافر وسائل منع الحمل، وارتفاع تكاليف المعيشة. لقد حاولت الحكومات استخدام حلول مؤقتة كثيرة، لكن المشكلة ظلت مستعصية. فالسياسات المؤيدة للإنجاب في بولندا وفرنسا، بما في ذلك المنح والخدمات والإعفاءات الضريبية، كلفت مبالغ طائلة تراوحت بين مليون ومليوني دولار لكل طفل إضافي يولد. وهذا لا يعني أن زيادة الاعتمادات الضريبية للأسر سياسة سيئة ــ فقد تساعد في تقليل فقر الأطفال مثلاً ــ لكن من غير المرجح أن تؤدي إلى تغيير ملموس في معدلات المواليد.

ومع ذلك، حقق العمل من المنزل نتائج مثبتة بالفعل. ففي عام 2021، بعد أن أرسل الإغلاق الناجم عن الجائحة الملايين إلى منازلهم، ارتفع معدل الخصوبة بشكل طفيف، في تحول ملحوظ بعد كل تلك العقود من التراجع. فلماذا لا نعتمد ترتيبات العمل المرنة التي تجعلنا ننجب المزيد من الأطفال ولا تكلف شيئاً؟ إنه حل يحفز الاقتصاد في نفس الوقت. إن الإصرار على أن تنجب النساء المزيد من الأطفال مع تفكيك البنية التحتية التي تجعل ذلك ممكناً هو نظرة مقلوبة للواقع.

ظهر هذا المقال في الأصل في صحيفة نيويورك تايمز.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com