

عندما تتجول بين أسوار البتراء الوردية، من السهل أن تظن أنك رأيت كل ما يمكن معرفته عن الأنباط. ولكن في الفيلم الوثائقي الجديد من ناشيونال جيوغرافيك بعنوان "كنوز الجزيرة العربية المفقودة: مملكة الأنباط" ، يُذكرنا المخرج ديرك فيرهي بأن هذه الحضارة القديمة لا تزال تحمل أسرارًا تُشاركها - وبعضٌ من أروعها يكمن ليس فقط في البتراء، بل أيضًا في مدينة الحجر.
صُوّر الفيلم بالكامل في الأردن والمملكة العربية السعودية بطاقم عمل إقليمي، ويكشف قصة مملكة عربية حوّلت قسوة الصحراء إلى إمبراطورية تجارية وابتكارية وثقافية قوية. من إتقان أنظمة المياه المعقدة إلى بناء مدن نافست الممالك الأكبر في تلك الحقبة، يُظهر الفيلم الأنباط كمهندسين ماهرين ورؤى ثاقبة، لا يزال إرثهم حاضرًا في واجهات الحجر الرملي والمقابر الصحراوية.
تُشرف على هذا الفيلم الوثائقي الدكتورة ليلى نعمة، باحثة أولى في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي والمديرة السابقة لمشروع مدائن صالح الأثري، والتي تُتيح عقود من عملها في الحِجر الوصول إلى معلومات أثرية نادرة واكتشافات علمية جديدة. من بين الإنجازات البارزة أول عملية إعادة بناء وجه لامرأة نبطية على الإطلاق، في تذكير إنساني مؤثر بأن هذه المملكة لم تكن مجرد مملكة آثار، بل مملكة بشر.
يرى فيرهي أن جاذبية الأنباط تكمن في ما نجهله بقدر ما تكمن في ما نعرفه. يقول في حوار مع صحيفة سيتي تايمز : "السؤال الأهم هو كيف لحضارة ازدهرت في أماكن مثل البتراء والعلا أن تندثر فجأةً؟ هذا اللغز آسرٌ للغاية، سواءً في الأفلام الوثائقية أو الخيالية، لأنه يتيح لك إثارة التشويق مع كشف التاريخ الحقيقي في الوقت نفسه".
يرتكز الفيلم على هذا الشعور بالاكتشاف، متنقلاً من سؤالٍ بلا إجابة إلى آخر. ويوضح قائلاً: "أردنا إبقاء الجمهور منشغلاً - ليس بدرس تاريخي جاف، بل بكشف أسرار واكتشافات لم تُكتشف من قبل".
أحد هذه الاكتشافات هو عظام سمك صغيرة الحجم. عُثر عليها في رمال الحجر، ويعود تاريخها إلى أكثر من ألفي عام، وقد قدّمت دليلاً على وجود طرق تجارية تمتد إلى ما وراء الصحراء. يقول فيرهي: "إنه لأمرٌ مثيرٌ للاهتمام، لأن الحجر بعيدةٌ كل البعد عن البحر الأحمر. ومع ذلك، كان هذا دليلاً على أن الأنباط كانوا يتاجرون بحراً وبراً".
بصفته مخرجًا سينمائيًا لا مؤرخًا، تناول فيرهي الموضوع بعقلية الجمهور. يقول: "إذا استطعتُ فهم القصة، فسيستطيع معظم الناس فهمها. يكمن التحدي في جعل علم الآثار ملموسًا، وإحياء النقوش الحجرية والآثار".
تم حل جزء من هذا التحدي من خلال إعادة تمثيل سينمائي - مشاهد مصممة بعناية تستحضر عالم الأنباط. يوضح قائلًا: "أردنا أن نعرض كيف كانت الحياة تبدو، ولكن دون مبالغة. لهذا السبب، تتميز هذه المشاهد بأجواء مميزة، خالية من الحوار - أشبه بلقطات سريعة تخلق حالة مزاجية. إنها تحافظ على أصالة المشهد مع الحفاظ على قوته البصرية."
كان الإنتاج بحد ذاته قصة تعاون بقدر ما كان قصة تاريخية. عمل فيرهي مع فريق صغير من المملكة العربية السعودية والأردن، واعتمد بشكل كبير على المواهب المحلية. يتذكر قائلاً: "لم يكن لدينا ممثلو حركات بهوليوود كبار". "في بعض المشاهد التي ركزت على مشاهد المعارك تحديدًا، استعنا بفناني الصالة الرياضية المحلية. كما عملنا مع مديري فنون ومرشدين وعلماء آثار محليين. تتجلى هذه الأصالة بوضوح."
حتى توجيه علماء الآثار تطلب لمسةً خاصة. يقول: "إنهم أشخاصٌ أذكياء للغاية ومتخصصون للغاية في عملهم. كان التحدي هو إعادة إنتاج العمل بلغة يفهمها الجمهور، وبأسلوبٍ سلسٍ وبسيط". ويضيف: "كان دوري مساعدتهم على تلخيص جميع المعلومات المعروضة على الشاشة، والحفاظ على دقتها وسهولة فهمها للمشاهدين".
رغم كل الاكتشافات وتحديات الإنتاج، إلا أن لحظةً واحدةً برزت بوضوحٍ كبيرٍ بالنسبة لفيرهي. يتذكر قائلاً: "قضينا ليالٍ في الصحراء مع فريقنا، نصور تحت النجوم، بل ونخيم هناك. كانت تلك الليالي لا تُنسى، وشعرنا بتواصلٍ شخصيٍّ مع الطبيعة التي كان الأنباط يومًا ما موطنهم".
يبدأ عرض كنوز الجزيرة العربية المفقودة: مملكة الأنباط على قناة ناشيونال جيوغرافيك في 27 أغسطس، وعلى قناة ناشيونال جيوغرافيك أبوظبي في 28 أغسطس، ويبث حصريًا على Disney+ بدءًا من 29 أغسطس.