

حاويات في ميناء جبل علي. يُظهر الاستطلاع أن 68 في المائة من الشركات الإماراتية أبلغت عن تأثيرات إيجابية على الإيرادات من السياسات التجارية والجمركية خلال الأشهر الستة الماضية.
تُظهر الشركات في أنحاء دولة الإمارات العربية المتحدة مستويات من الثقة التجارية تُعد من الأقوى عالمياً، متفوقة على نظيراتها العالمية في الوقت الذي تتعامل فيه مع تحولات الرسوم الجمركية وتوسع شراكاتها عبر الحدود، وذلك وفقاً لأحدث استطلاع "نبض التجارة العالمية" الذي أجرته HSBC.
وتعكس النتائج وجود منظومة أعمال تُعد من بين الأكثر حيوية ومرونة وغنى بالفرص في العالم.
يشير الاستطلاع إلى أن 68% من الشركات الإماراتية سجلت تأثيرات إيجابية على الإيرادات نتيجة سياسات التجارة والرسوم الجمركية خلال الأشهر الستة الماضية، وهي نسبة تفوق بكثير المتوسط العالمي البالغ 56 في المئة. وفي المقابل، ذكر 15% فقط أنهم تأثروا سلباً، مقارنة بـ 26 في المئة عالمياً. كما أفاد 70% من المشاركين بأن لديهم الآن رؤية أوضح لكيفية تأثير السياسات التجارية عليهم، متجاوزين المتوسط العالمي البالغ 66%.
وتشير "إتش إس بي سي" إلى أن الشركات الإماراتية لا تكتفي بالتكيّف مع الظروف المتغيرة، بل تعيد تموضعها لاقتناص فرص النمو. فقد عمّقت الشركات روابطها الإنتاجية مع جنوب آسيا، حيث زادت 31 في المئة من الشركات إنتاجها في الهند (مقارنة بمتوسط عالمي قدره 18%)، و11% وسّعت الإنتاج في سريلانكا، أي أعلى بست نقاط مئوية من المتوسط الدولي. كما يتوقع قرابة 89% من الشركات الإماراتية أن يزداد حجم التجارة الدولية خلال العامين المقبلين.
وترتكز هذه الثقة على خلفية اقتصادية قوية. فقد استقطبت دولة الإمارات 167.6 مليار درهم من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2024، بزيادة تقارب 49% على أساس سنوي، مما عزز مكانتها كواحدة من أبرز وجهات الاستثمار في العالم. كما سجلت الاستثمارات الجديدة (Greenfield) قفزة لافتة؛ إذ أُطلقت 1,369 مشروعاً جديداً أضافت 53.3 مليار درهم من رأس المال، ما جعل الإمارات ثاني أكبر دولة عالمياً في الاستثمارات الأجنبية الجديدة.
أعادت هذه التدفقات تشكيل المشهد المؤسسي. تجاوز عدد الشركات العاملة في الإمارات 1.3 مليون في منتصف 2025 بزيادة أكثر من 235 في المائة من حوالي 400,000 في 2020 — وهو تحول مدفوع بالإصلاحات الاقتصادية، وسياسات الملكية الأجنبية بنسبة 100 في المائة، والنظم البيئية للمناطق الحرة التنافسية، وتبسيط التراخيص.
إلى جانب هذه المزايا التنظيمية، فإن الاقتصاد غير النفطي يتقدم بقوة. تساهم القطاعات غير النفطية الآن بنسبة 75.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعادل 1.342 تريليون درهم من إجمالي 1.776 تريليون درهم المسجل في عام 2024. وقد أبلغت قطاعات التصنيع والجملة والتجزئة والخدمات المالية والعقارات والبناء واللوجستيات عن توسع قوي حيث قام المستثمرون المحليون والأجانب بضخ رأس المال في الصناعات الموجهة نحو النمو.
أما المرونة في سلاسل الإمداد فهي سمة أساسية لإستراتيجيات الأعمال في الإمارات. حيث تعمل الشركات على تنويع أسواق التوريد، وبناء بصمات إنتاج متعددة الدول، وتعزيز الروابط ضمن الممر التجاري بين آسيا والشرق الأوسط، وذلك لتقليل مخاطر الرسوم الجمركية. وقد ساعد هذا النهج الشركات الإماراتية على الحفاظ على زخم الإيرادات رغم تغير مسارات التجارة العالمية.
كما أن البيئة التجارية الأوسع نطاقاً تزداد قوة. فارتفعت التجارة غير النفطية في الإمارات بنسبة مزدوجة في عام 2024، مدعومة بشبكة متنامية من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة (CEPAs) مع الاقتصادات الكبرى في آسيا وأوروبا وأفريقيا. هذه الصفقات توسع الوصول إلى الأسواق للمصدرين وتخفض الحواجز أمام المصنعين والتجار ومشغلي اللوجستيات المقيمين في الإمارات.
ويرى قادة الأعمال أن البيانات تعكس نظرة مستقبلية متفائلة. وقالت ديانا تشيرنيفا، رئيسة حلول التجارة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وتركيا في بنك HSBC: "الشركات الإماراتية لا تقتصر على التكيف مع بيئة التجارة الحالية، بل تغتنم الفرصة لإعادة تشكيل عملياتها واغتنام النمو."
ومع استمرار الإمارات في تنويع اقتصادها، والاستثمار بكثافة في البنية التحتية، وترسيخ مكانتها كمركز عالمي للتجارة والابتكار، يُظهر نظامها الاقتصادي مرونة استثنائية. إذ تُبرز شركاتها أحد أكثر نماذج الأعمال مرونة وانفتاحاً عالمياً، ما يمنحها ميزة تنافسية تُرسخ مكانة الإمارات كإحدى أكثر اقتصادات العالم ديناميكية.
ومع تغير الرسوم الجمركية، وإعادة تنظيم سلاسل الإمداد، وإعادة رسم الممرات التجارية، ترسل الشركات الإماراتية رسالة واضحة: إنها لا تواكب التغيرات العالمية فحسب بل تحدد إيقاعها.