

دبي متجددة: أفق المدينة يلمع بعد المطر.
تتجه سوق العقارات في دبي نحو عام 2026 وهي تتشكل بفعل قوتين متشابكتين: علاوة الندرة في المناطق الحيوية، وإعادة توازن هيكلي عبر مختلف القطاعات، بينما تكتسب العاصمة الإماراتية، أبوظبي، مكانة كخيار مقنع للمستثمرين.
يقول عبد الله العجاجي، الرئيس التنفيذي لشركة "دريفن العقارية" (Driven Properties): "أحد أبرز الاتجاهات الملحوظة مع اقتراب عام 2026 سيكون الصعود المستمر لأبوظبي كسوق عقاري تنافسي للغاية"، كما يتوقع "زيادة في عمق السوق وتوسعاً في السيولة، مدفوعاً بشكل خاص بجهود مثل الترميز (tokenisation) وهياكل الملكية البديلة".
ويرى العجاجي أن الدورة القادمة ستصحح عدم التوازن الذي تراكم منذ عام 2020: وهو وفرة الإطلاقات السكنية مقابل نقص المعروض في سوق المكاتب. ويضيف: "لقد تجاوز الطلب على المكاتب باستمرار العرض المتاح، نتوقع أن يتدخل كبار المطورين الرئيسيين والكيانات المدعومة حكومياً لإنشاء مناطق مكتبية مخصصة"، مما يشير إلى خطط استراتيجية لمعالجة النقص في المخزون المكتبي عالي الجودة.
التسعير سيعتمد على الامتصاص الفعلي لا على الروايات العامة
بالنسبة للمشترين الذين يحاولون توقيت دخولهم السوق، يحث فراس المسدي، الرئيس التنفيذي لشركة "إف أيه إم العقارية" (fäm Properties)، على الانضباط المرتكز على البيانات بدلاً من العاطفة. ويقول: "أول مؤشر أنظر إليه هو عدد الأيام في السوق، من تاريخ طرح العقار حتى يوم بيعه فعلياً". ويضيف: "هذا المقياس يخبرك، في الوقت الفعلي، ما إذا كان الطلب يمتص العرض بكفاءة". كما يضع معياراً ثانياً: "معدل الامتصاص، لا سيما في قطاع العقارات على الخارطة... وهو عدد الوحدات التي تم إطلاقها مقابل عدد الوحدات المباعة".
والأهم من ذلك، يحذر المسدي من التعامل مع دبي ككتلة واحدة متجانسة، قائلاً: "لا يوجد شيء اسمه 'سوق دبي'. عليك تحليلها حسب الموقع، والفئة السعرية، ونوع الاستخدام، وملف المشتري"، مؤكداً أن التحليل الدقيق يكشف الفرص بينما تخفي التصريحات العامة المخاطر.
ذروة المعروض تلين الإيجارات؛ والأسعار صامدة حيث تندر الأراضي
تشير توقعات "دريفن" إلى أحجام تسليم مرتفعة خلال عامي 2026 و2027، مما يؤدي إلى "بعض التراجع في أسعار الإيجارات، خاصة في المناطق التي تشهد مستويات عالية من المعروض الجديد". ومع ذلك، تتوقع الشركة أن "تظل أسعار البيع مستقرة إلى حد كبير، وفي قطاعات معينة، ستستمر في الاتجاه الصعودي"، مع تراجع العوائد بسبب قوة قيم الأصول مقابل انخفاض الإيجارات. ويقول العجاجي: "المواقع ذات المعروض المستقبلي المحدود ستظل صامدة للغاية".
ستكون علاوة الندرة هذه أكثر ووضوحاً فيما تسميه "دريفن" "المربع الذهبي" الناشئ في دبي: خليج جميرا، وممر قناة جميرا المائية الممتد إلى وسط المدينة (داون تاون) والخليج التجاري (بيزنس باي)، بالإضافة إلى "مركز دبي المالي العالمي" (DIFC)، و"سيتي ووك"، و"لا مير". هذه مناطق ساحلية ومركزية متميزة "مع نطاق محدود للغاية للتطوير المستقبلي".
من أين ستأتي الأرض الجديدة — وكيف سيتم بناؤها
مع تضاؤل الأراضي الخام داخل قلب دبي الناضج، يتوقع العجاجي مزيداً من التعاون بين القطاعين العام والخاص. ويقول: "الكيانات المدعومة حكومياً التي تمتلك بعضاً من أكبر مخزونات الأراضي في الإمارات ستلعب دوراً محورياً... ومن المتوقع إطلاق مشاريع مثل حي دبي للتصميم، ونخلة جبل علي، والمراحل المستقبلية من جزر دبي اعتباراً من عام 2026 فصاعداً". وفي فترات الاستقرار أو التراجع الطفيف في الأسعار، يرجح أن يقوم المطورون الحكوميون "بدعوة المطورين من القطاع الخاص للمشاركة في التطوير ضمن هذه المخططات الرئيسية"، لتوزيع المخاطر وتنويع المنتجات مع الحفاظ على التوازن طويل الأمد.
يضيف منظور المسعدي على خط الأنابيب بعض التفاصيل. فهو لا يرى خطراً وشيكاً من فائض المعروض في المخزون الجاهز والمكتمل، لكنه يحث على الحذر في المشاريع على الخارطة، حيث يمكن "للمخزون السائل والقابل للبيع ضمن المشاريع التي لا تزال قيد الإنشاء" أن يتصرف كعرض متاح قبل التسليم إذا تغيرت المشاعر السائدة في السوق.
المناطق التي يجب مراقبتها: حجم جبل علي، حجم JVC، وجيوب التعب
إذا كانت بيانات المشاريع المستقبلية هي خريطتك، يشير المسدي إلى منطقتين؛ "تظهر منطقة جبل علي أعلى حجم من المعروض القادم. ومع ذلك، فإن جبل علي منطقة ضخمة... ولا يوجد خطر من فائض المعروض على الإطلاق". أما ثاني أكبر عمليات تسليم مخططة فهي في "قرية جميرا الدائرية" (JVC)، حيث "من المتوقع تسليم أكثر من 25,000 وحدة خلال السنوات الثلاث القادمة". ويؤكد أن هذا لا يعني حدوث مشكلة، ولكن يجب على المشترين هناك أن يكونوا "أكثر انتقائية، مع التركيز على جودة البناء، والمخطط، والتسعير، والتميز".
أما بالنسبة لبوادر "الفتور" المبكرة، فيقول إنها تظهر "حيث هيمنت المضاربة" — مثل الشقق ذات الأسعار الاقتصادية، ومخزون السوق المتوسط الذي يشهد عمليات تسليم كبيرة قادمة، والمناطق ذات المنتجات المتكررة التي يسهل استبدالها. ويضيف: "الفتور لا يعني الانهيار، بل يعني أن المشترين يتوقفون عن المطاردة ويبدأون في التفاوض".
نبرة تنظيمية: المزيد من الشفافية والانضباط التشغيلي
لا يتوقع أي من المسؤولين التنفيذيين تغييرات جذرية في القواعد الموجهة للمشترين الأجانب، لكن المسدي يتوقع "مزيداً من الشفافية وتنظيمات أكثر صرامة حول عمليات المطورين والوسطاء". ويضيف أن "السوق بأكمله ينتظر شهادة عدم الممانعة (NOC) لتصاريح الإعلانات الإيجارية التي نأمل أن تصدر في يناير 2026"، مما يعكس توجه دائرة الأراضي والأملاك في دبي نحو ضوابط إعلانية أكثر إحكاماً.
المرونة الكلية: رافعة مالية أقل، ورأس مال عالمي، وجاذبية نمط الحياة
حتى في ظل تباطؤ عالمي، يرى المسدي أن دبي ستكون "الأفضل بين الأسوأ إذا ساءت الأمور عالمياً"، مستشهداً بانخفاض الاعتماد على الرهن العقاري وجاذبية المدينة للثروات العالمية المتنقلة. ويقول: "الثروة لا تختفي، بل تضغط... ولا يزال أصحابها بحاجة إلى أماكن آمنة وعملية وجذابة للعيش والاستثمار"، مما يضع دبي في موقع يؤهلها لتعافٍ أسرع من العديد من الأسواق الغربية.
خطة المستثمر لعام 2026: الانتقاء بدلاً من المضاربة
ماذا يجب على المستثمرين فعله حيال هذه الفسيفساء؟ تقترح خريطة المعروض التي وضعها العجاجي التوجه نحو الندرة والجودة المؤسسية، المناطق الساحلية المتميزة والمناطق المركزية ذات الأراضي الجديدة المحدودة، جنباً إلى جنب مع المكاتب المبنية لهذا الغرض حيث يتجاوز الطلب العرض.
أما توجيهات المسدي فهي أكثر حدة فيما يخص التنفيذ: "تجنب المشاريع التي تضم عدداً هائلاً من الوحدات المتطابقة... الحجم الكبير يقتل الندرة، والندرة هي ما يحمي القيمة". وفوق كل شيء، فإن "أهم عامل هو الانضباط في التسعير" قارن مقابل أسعار حقيقية للمبيعات والإيجارات داخل نفس المبنى أو المجمع. كما يحث المشترين لأول مرة على إعطاء الأولوية لـ "تجربة المعيشة"، لأن المشاريع التي يحب الناس السكن فيها "تحافظ على قيمتها بشكل أفضل في الأسواق المتباطئة، وتجذب طلباً إيجارياً مستمراً، وتظل مرغوبة لفترة طويلة بعد انحسار ضجيج الإطلاق".
أخيراً، حدد حدود مخاطرك: راقب أيام العرض في السوق وامتصاص المشاريع على الخارطة؛ كن انتقائياً للغاية في المناطق ذات المعروض الضخم مثل قرية جميرا الدائرية؛ وخطط لآلية الخروج عند الشراء وليس لاحقاً. ويحذر المسدي من أنه إذا تزامنت صدمة سيولة عالمية مع وصول المعروض بشكل أسرع من الامتصاص وخروج المالكين المضاربين، فإن "قطاعات معينة ستعيد التسعير، وليس السوق بأكمله". من وجهة نظره، "لن يتم تعريف عام 2026 بالازدهار أو الانهيار، بل سيتم تعريفه بالانتقاء... الانضباط، وليس التفاؤل، هو ما سيقرر النتائج".
الخلاصة: توقع قوة انتقائية حيث تندر الأراضي وتكون المكاتب منسقة بعناية؛ والمزيد من المخططات الرئيسية المؤسسية التي تفتح مناطق جديدة؛ وسوقاً تكافئ الانضباط القائم على البيانات بدلاً من الروايات العامة. أو، كما يلخص العجاجي من "دريفن"، فإن المرونة ستتركز في الأماكن "التي لديها حد أدنى من إمدادات الأراضي المتبقية"، بينما تضغط العوائد وسط عمليات التسليم المرتفعة — وهي خلفية لا تنجح فيها إلا الأصول الصحيحة والأسعار الصحيحة.