

دخل الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي الربع الأول من عام 2025 بقوة، مثبتاً سمعتها كواحدة من أكثر الوجهات الاستثمارية ديناميكية على مستوى العالم.
بلغ الناتج المحلي الإجمالي للإمارة في الربع الأول من عام 2025 نحو 119.7 مليار درهم، بزيادة قدرها 4% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وشملت أبرز القطاعات المحفزة للنمو قطاعات التمويل والتأمين، وخدمات الإقامة والطعام، والمعلومات والاتصالات، وتجارة الجملة والتجزئة، والعقارات. ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد دولة الإمارات عمومًا بنسبة تتراوح بين 5% و6% هذا العام، مدعومًا باستراتيجية نمو متنوعة، وديناميكيات سوق النفط الجيدة، وقطاع غير نفطي مزدهر يُتوقع أن ينمو بنسبة 4.5%.
يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو اقتصاد دبي بنسبة 3.3% في عام 2025 و3.5% في عام 2026، مما يشير إلى نمو مستقر على المدى المتوسط. وتأتي هذه الأرقام في أعقاب أداء قوي في عام 2024، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي لدبي بنسبة 5.8% بالأسعار الجارية ليصل إلى 541 مليار درهم، مما يعكس نموًا واسع النطاق في قطاعات التجارة والتمويل والصناعة والنقل والعقارات.
قال هادي بدري، المدير التنفيذي لمؤسسة دبي للتنمية الاقتصادية، "إن الزخم الاقتصادي الذي تشهده المدينة يعكس استراتيجية مدروسة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الشركات والمستثمرون ورواد الأعمال إلى الاستقرار والثقة، يواصل النمو الاقتصادي المستدام والمتنوع لدبي تعزيز جاذبيتها العالمية. وبفضل القيادة الحكيمة للمدينة، وبفضل التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص، يعكس أداء دبي خلال عامي 2024 و2025 استمرار تقدمنا نحو تحقيق أهداف أجندة دبي الاقتصادية D33."
ساهم قطاع التمويل والتأمين بمبلغ 16 مليار درهم إماراتي في الربع الأول من عام 2025، بنمو قدره 5.9% على أساس سنوي، ليشكل 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وشهد قطاع العقارات، وهو ركيزة أساسية من ركائز اقتصاد دبي، نموًا بنسبة 7.8%، في حين ارتفع قطاع خدمات الإقامة والطعام بنسبة 3.4%، وقطاع المعلومات والاتصالات بنسبة 3.2%.
وساهم قطاع تجارة الجملة والتجزئة، وهو المساهم الأكبر، بمبلغ 27.5 مليار درهم، أي ما يعادل 23% من الناتج المحلي الإجمالي، محققًا نموًا بنسبة 4.5% مقارنة بالعام السابق. وحقق قطاع التصنيع نموًا بنسبة 3.3% ليصل إلى 8.7 مليار درهم، بينما ارتفع قطاع النقل والتخزين، بدعم من الحركة الجوية عبر مطار دبي الدولي، بنسبة 2% ليصل إلى 15.7 مليار درهم.
كما شهدت أنشطة الصحة البشرية والعمل الاجتماعي أسرع نمو بنسبة 26%، مما يؤكد استثمار دبي في البنية التحتية الصحية وقدرتها على ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لخدمات الرعاية الصحية. وصرح يونس الناصر، الرئيس التنفيذي لمؤسسة دبي للبيانات والإحصاء: "في عصر البيانات والذكاء الاصطناعي، تُعد الإحصاءات الموثوقة أمرًا لا غنى عنه لفهم الاتجاهات الحالية وتوقع التطورات المستقبلية". وأضاف: "تعكس نتائج الربع الأول من عام 2025 التقدم الاقتصادي لدبي، مما يُمكّن صانعي السياسات والباحثين والشركات من اتخاذ قرارات مدروسة".
ثقة المستثمرين
يتجاوز نجاح الإمارة الأداء الاقتصادي الكلي ليشمل قدرتها على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد أعلنت غرفة دبي العالمية عن انضمام 143 شركة جديدة إليها في النصف الأول من عام 2025، منها 31 شركة متعددة الجنسيات، بزيادة قدرها 138% على أساس سنوي. كما شهدت الشركات الصغيرة والمتوسطة نموًا قويًا، حيث انضمت 112 شركة إليها، مقارنةً بـ 47 شركة في النصف الأول من عام 2024.
وأكد سعادة سلطان أحمد بن سليم، رئيس مجلس إدارة غرفة دبي العالمية، على دور دبي كمركز جذب عالمي. وقال: "نحقق تقدمًا قويًا ومطردًا في ترسيخ مكانة دبي كوجهة عالمية مفضلة للاستثمار الأجنبي المباشر، ومنصة انطلاق للشركات التي تسعى إلى النمو الدولي. ويدعم هذا الزخم المزايا التنافسية الفريدة التي تتمتع بها دبي، والتي تشمل بنية تحتية عالمية المستوى، وبيئة تنظيمية داعمة للأعمال، وموقعًا استراتيجيًا يربط الأسواق العالمية".
من جهتها، استقطبت منطقة مركز دبي للسلع المتعددة أكثر من 1,100 شركة جديدة في النصف الأول من 2025، ليقترب عدد أعضائها من 26 ألف شركة. أما مركز العملات الرقمية التابع لها فيستضيف الآن أكثر من 700 شركة، بينها أسماء عالمية بارزة مثل "بيتكوين دوت كوم" و"أنيموكا براندز".
في الوقت نفسه، استقطب مركز دبي المالي العالمي عدة مؤسسات مالية عالمية مرموقة خلال 2025 مثل "بي إم سي أو"، و"مانولايف"، و"هيئة الصين الدولية لرأس المال"، لترتفع الكيانات الخاضعة للتنظيم بنسبة 17% إلى 980 كياناً.
ارتفاع الثروة والمكاتب العائلية
لم تقتصر الهجرة الاقتصادية إلى دبي على الشركات، بل شملت العائلات الثرية وأصحاب الثروات الكبرى. فقد تم تأسيس نحو 200 مكتب عائلي جديد في المراكز المالية بدبي خلال العام الماضي، ليقترب العدد الإجمالي من 800 مكتب، مع انتقال العديد من أوروبا وسويسرا سعياً وراء بيئة ضريبية وتشريعية أكثر مرونة واستقراراً.
تمثل الإمارات اليوم ما نسبته 75% من إجمالي المكاتب العائلية في الشرق الأوسط، بإجمالي أصول تحت الإدارة يُتوقع أن تبلغ 500 مليار دولار بنهاية 2025.
أما من حيث هجرة الثروات، فتتقدم دبي بوضوح على منافسيها. وفقاً لشركة Henley & Partners، انتقل إلى الإمارات نحو 10,000 مليونير وملياردير في عام 2025، حيث استحوذت دبي وحدها على الحصة الأكبر بما قيمته 63 مليار دولار من الثروات القابلة للاستثمار. ويتوقع أن تستقبل المدينة 7,100 مليونير جديد هذا العام، بينهم أكثر من 200 من الأثرياء الذين تتجاوز ثرواتهم 100 مليون دولار، وما لا يقل عن 15 مليارديراً، لترتفع بذلك حصتها إلى أكثر من ربع الثروة الخاصة في الشرق الأوسط.
وتشير "نايت فرانك" إلى أن دبي تضم الآن أكثر من 72,000 من أصحاب الثروات العالية (HNWIs)، مع توقعات بنمو العدد بنسبة 50% بحلول عام 2030.
قطاع السياحة يواصل التميز؛ حيث استقبلت الإمارة 3.82 مليون زائر دولي في أول شهرين من 2025، بزيادة نسبتها 4% عن الفترة نفسها من 2024. وخلال عام 2024 كاملاً، سجلت دبي 18.72 مليون زائر ليلي، بارتفاع 9% عن 2023، لتتبوأ المرتبة الخامسة بين أكثر مدن العالم زيارة.
يُعدّ قطاع العقارات ركيزةً أخرى من ركائز النمو. ولا يزال الطلب على العقارات الفاخرة مرتفعًا، مع تسجيل معاملات قياسية في نخلة جميرا ووسط مدينة دبي. وتشير شركة نايت فرانك إلى أن 68% من أصحاب الثروات العالية عالميًا يخططون للاستثمار في عقارات دبي عام 2025، بمتوسط إنفاق متوقع يبلغ 32 مليون دولار. في موازاة ذلك، تُظهر بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي استقرارًا طويل الأمد، حيث سُجّلت أكثر من 84,000 معاملة عقارية بقيمة تقارب 300 مليار درهم إماراتي حتى عام 2021، مما يجعل الإمارة واحدة من أكثر أسواق العقارات نشاطًا في العالم.
تنعكس جهود دبي الرامية إلى بناء اقتصاد متنوع وصديق للمستثمرين ومتكامل عالميًا في التصنيفات العالمية. وتحتل الإمارة المرتبة الخامسة عالميًا ضمن أفضل 25 مدينة في مؤشر المدن العالمية، والثامنة عالميًا والأولى إقليميًا في مؤشر المدن العالمية القوية، والخامسة عالميًا في مؤشر براند فاينانس للمدن العالمية، متجاوزةً سنغافورة ولوس أنجلوس. كما عُرفت المدينة بأنها المدينة الأكثر سمعة في العالم للأعمال والاستثمار، متصدرةً التصنيفات الإقليمية في الحوكمة الرقمية وريادة الأعمال والسلامة. صنّف مؤشر جوليوس باير العالمي للثروة ونمط الحياة دبي في المرتبة السابعة عالميًا، مما يعكس ارتفاع تكلفة الخدمات الفاخرة، بالإضافة إلى جاذبيتها المتزايدة للنخب العالمية. ظل مطار دبي الدولي الأكثر ازدحامًا في العالم بالمسافرين الدوليين في عام 2024، حيث استقبل أكثر من 92 مليون مسافر، مما يؤكد على ارتباطه العالمي.
التوقعات والرؤية
مع تسارع وتيرة دبي نحو تحقيق الأهداف الطموحة لأجندة دبي الاقتصادية D33، والتي تهدف إلى مضاعفة حجم اقتصادها ليصل إلى 32 تريليون درهم بحلول عام 2033، تظل آفاقها المستقبلية قوية للغاية. وتستفيد الإمارة من دورها كمركز تجاري ومالي وسياحي، مع استثمارها بكثافة في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية والطاقة الخضراء وأنظمة الابتكار.
لا تزال السياسات الحكومية تلعب دورًا محوريًا في تهيئة بيئة تنافسية. وقد ساهمت إصلاحاتٌ مثل التأشيرات الذهبية طويلة الأجل، وبرامج الإقامة التقاعدية، والملكية الأجنبية الكاملة، والأطر القانونية الداعمة في المناطق الحرة المالية مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي في تهيئة بيئة آمنة وموثوقة للمستثمرين. كما أن استمرار الحكومة في الاستثمار في البنية التحتية، بدءًا من توسعة المطارات ووصولًا إلى تقنيات المدن الذكية، سيعزز مكانة دبي العالمية.
إن تنامي جاذبية دبي للمستثمرين العالميين ليس محض صدفة، بل هو ثمرة استراتيجية متكاملة وطويلة الأمد. فمن التنوع الاقتصادي والابتكار التنظيمي، إلى موقعها الجغرافي المركزي وترابطها الفريد، أرست الإمارة نموذجًا يحتذى به عالميًا بشكل متزايد. سواءً كانت الشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن قاعدة لعملياتها العالمية، أو المكاتب العائلية التي تدير ثروات الأجيال، أو رواد الأعمال والمبتكرين الذين يبحثون عن منصة انطلاق، فإن دبي تتبوأ مكانة راسخة كوجهة مفضلة.