

ترسّخ الملف الائتماني لإمارة دبي في الفترة الأخيرة بشكل ملحوظ، نتيجة انخفاض مستوى تعرض البنوك لقطاع العقارات وتراجع الدين الحكومي إلى مستويات أقل من التقديرات السابقة، وفق مذكرة تحليلية صادرة عن أحد البنوك الأمريكية الكبرى. يوضح التحليل أن هيكل الدين في دبي أصبح أكثر تماسكاً، مع تنوّع أدوات الاقتراض واستقرار أوضاعها المالية العامة.
يستعيد التقرير مرحلة الأزمة المالية العالمية في 2008-2009، عندما شهد سوق العقارات في دبي هبوطاً حاداً في الأسعار، واضطرت الإمارة إلى إعادة جدولة جزء من ديونها، ما انعكس آنذاك على النشاط الاقتصادي، وأدى إلى انكماش، وإغلاق بعض الشركات، وفقدان وظائف. ورغم تلك التحديات، تمكنت دبي لاحقاً من التفاوض على التزاماتها المالية بنجاح، لتصل اليوم إلى مؤشرات مالية تُوصف بالتاريخية، من بينها إقرار موازنة قياسية بقيمة 302.7 مليار درهم للفترة 2026–2028، مع تحقيق فائض تشغيلي نسبته 5 في المائة، في دلالة على متانة الأوضاع المالية العامة.
يشير البنك الأمريكي في مذكرته إلى أن المخاطر الرئيسية التي كانت تُحيط بقصة دبي الائتمانية تمثلت في ثلاث نقاط: قطاع العقارات، ونمو السكان، وحجم ديون الكيانات المرتبطة بالحكومة. ويرى أن عاملي العقار والسكان يرتبطان ببعضهما ويستفيدان حالياً من تدفق قوي لرؤوس الأموال والسكان، لاسيما بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، إلى جانب زخم الإصلاحات الاقتصادية. وبالمقارنة مع أزمة 2008، أصبحت المديونية في قطاع العقارات أقل، ونمو الائتمان في هذا القطاع ظل محدوداً لفترة طويلة، كما أن البنوك اليوم تتمتع برؤوس أموال أقوى ورقابة تنظيمية أشد صرامة.
ابق على اطلاع بأحدث الأخبار. تابع KT على قنوات واتساب.
وتفيد بيانات دائرة المالية في دبي بأن هيكل الدين يعكس وضعاً مالياً متيناً، مع استخدام طيف متنوع من أدوات الدين. وبلغ إجمالي الدين القائم حتى 30 سبتمبر 2025 نحو 112.4 مليار درهم، منخفضاً بنسبة 3.9 في المائة عن مستواه في 2024، لتصل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 20.8 في المائة، وهي نسبة تُعد مريحة بالمقاييس الدولية.
من جهة أخرى، يبيّن تقرير صادر عن المصرف المركزي الإماراتي أن محفظة القروض لدى الجهاز المصرفي في الدولة نمت بنسبة تتجاوز 11 في المائة على أساس سنوي، بدعم من متانة البيئة الاقتصادية. واحتفظت البنوك بهوامش أمان رأسمالية قوية، إذ بلغ معدل كفاية رأس المال 17.3 في المائة في الربع الثاني من 2025، مع تحسن جودة الأصول، حيث تراجع صافي نسبة القروض المتعثرة إلى 1.7 في المائة.
ويلفت البنك الأمريكي إلى أن النمو القوي، وإصلاحات الضرائب، وضبط الإنفاق العام، كلها عوامل أعادت الميزانية الحكومية في دبي إلى تحقيق فوائض، ما يعكس تحسناً واضحاً في النظرة المستقبلية للملاءة الائتمانية للإمارة. ويتوقع أن تسجّل الموازنة الاتحادية لحكومة دبي فائضاً يعادل نحو 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، أي ضعف ما كان مرسوماً في الموازنة، استناداً إلى نتائج النصف الأول من العام. وسجلت دبي فوائض مالية متتالية منذ 2021، ارتفعت من 1.5 في المائة من الناتج في 2021 إلى 8.5 في المائة في 2024، فيما تتضمن موازنة 2026 فائضاً مقدراً بنحو 2.2 مليار دولار (قرابة 1.3 في المائة من الناتج)، وهو تقدير يراه التقرير محافظاً.
على صعيد النمو الاقتصادي، ينقل التقرير عن صندوق النقد الدولي توقعات بأن تسجل دبي نمواً قدره نحو 3.4 في المائة في 2025، مدفوعاً بالدرجة الأولى بالقطاعات غير النفطية. وتشمل هذه القطاعات السياحة، والخدمات المالية، والعقارات، والتجارة، والضيافة، والطيران، والخدمات اللوجستية، التي تُعد اليوم محركات أساسية لديناميكية اقتصاد الإمارة.
كما يُبرز تقرير المصرف المركزي الإماراتي تحسناً ملحوظاً في أوضاع الأعمال في دبي، إذ ارتفع مؤشر مديري المشتريات في يوليو إلى 53.5 نقطة مقارنة بـ 51.8 نقطة في يونيو، نتيجة زيادة الطلب من العملاء ونمو النشاط في القطاعات الرئيسة.
ويخلص البنك الأمريكي إلى أن الفارق بين التصنيف الائتماني الضمني لدبي ومستوى التصنيف السيادي لأبوظبي تقلّص كثيراً مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد أو عقدين. ويرى أن مبررات حصول دبي على تصنيف ائتماني سيادي رسمي أصبحت اليوم أقوى، حتى وإن كانت الإمارة لا تبدو في حاجة ملحّة إليه في الوقت الراهن.