

اتخذت المعركة القانونية الطويلة بين شركة تشغيل الموانئ العالمية "موانئ دبي العالمية" وحكومة جيبوتي منعطفًا جديدًا بعد أن أكدت محكمة لندن للتحكيم الدولي أن جيبوتي تصرفت بشكل غير قانوني عندما استولت على محطة الحاويات في دوراليه من عملاق الخدمات اللوجستية الإماراتي عام 2018.
قرار المحكمة النهائي يؤكد أن اتفاقية الامتياز التي تمتد لخمسين عامًا والتي أبرمتها "موانئ دبي العالمية" لإدارة الميناء لا تزال سارية وملزمة، وأن الدولة الإفريقية لا تزال مدينة للشركة بمئات الملايين من الدولارات كتعويضات.
يُنهي هذا الحكم أحد مسارات التحكيم المتعلقة بشركة "ميناء جيبوتي" المملوكة للدولة، لكن النزاع لم ينتهِ بعد. فقد قضت المحكمة بأن استحواذ جيبوتي على محطة دوراليه عام 2018 كان غير قانوني، ورفضت مزاعم الحكومة الجيبوتية بحقها في إنهاء الامتياز. مع ذلك رفضت المحكمة منح تعويضات ضد شركة "ميناء جيبوتي"، معتبرةً أن الضرر وقع مباشرة بسبب تصرفات الحكومة لا ذراعها المؤسسي.
وبالتالي، لا تزال دعاوى "موانئ دبي العالمية" الأوسع، التي تبلغ قيمتها نحو مليار دولار، ضد حكومة جيبوتي وشريكها الصيني "تشاينا ميرشانتس بورت هولدنغز" قائمة حتى الآن.
تقع محطة حاويات دوراليه على ساحل البحر الأحمر بالقرب من أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا في العالم، وقد جرى تطويرها بالشراكة بين "موانئ دبي العالمية" و"ميناء جيبوتي" بموجب امتياز وُقِّع في 2006 لإدارة المنشأة وتشغيلها لمدة خمسين عامًا. في فبراير 2018، أنهت الحكومة الاتفاقية بشكل مفاجئ واستولت بالقوة على المحطة، متهمةً الشركة بتقويض السيادة الوطنية، وهو ادعاء نفته "موانئ دبي العالمية" بشكل قاطع. ومنذ ذلك الحين، أصدرت عدة هيئات تحكيم دولية، من بينها محكمة لندن، أحكامًا بأن إجراءات جيبوتي كانت غير قانونية وأن الشركة الإماراتية هي صاحبة الحق في الامتياز.
تبلغ قيمة الأحكام القابلة للتنفيذ التي حصلت عليها "موانئ دبي العالمية" ضد جيبوتي حتى الآن نحو 685 مليون دولار، لكن الحكومة الجيبوتية امتنعت عن السداد رغم صدور قرارات ملزمة متعددة. واعتبرت الشركة أن هذا الرفض المتكرر يُعد استخفافًا بسيادة القانون ويقوّض ثقة المستثمرين في الدولة. ورغم الحكم الأخير لمحكمة لندن، لا تزال جيبوتي تصر على أنها تصرفت في إطار القانون وأن النزاع انتهى — وهو ما وصفته الشركة بأنه "ادعاء كاذب ومضلل".
ردًا على بيان جيبوتي الصادر في 30 سبتمبر والذي ادعى تحقيق النصر، أصدرت "موانئ دبي العالمية" بيانًا شديد اللهجة أوضحت فيه أن رفض المحكمة اقتصر فقط على الدعوى ضد شركة "ميناء جيبوتي"، ولا يشمل الدعاوى المليارية المعلقة ضد الحكومة والشريك الصيني. وأكدت الشركة أن النزاع لا يزال بعيدًا عن الحل وأن المسؤولية عن الاستيلاء غير القانوني والتعويضات المستحقة لا تزال محل نظر أمام هيئات التحكيم الأخرى.
صرح متحدث باسم "موانئ دبي العالمية" أن الحكم عزز ثقة الشركة في نظام التحكيم الدولي وقدسية العقود. وقال: "ادعاءات جيبوتي تتناقض مع الواقع، وقد أثبتت المحاكم المستقلة ذلك مرارًا وتكرارًا. من غير المعقول أن تستمر الحكومة في ترويج رواية زائفة رغم كل الأدلة، فهذا يقوض ثقة المستثمرين، ويضر بسمعة البلاد، ويمس شعبها في نهاية المطاف".
وأضافت الشركة أن هذه القضية تتجاوز كونها نزاعًا تجاريًا — إذ تمثل اختبارًا جوهريًا حول ما إذا كان يمكن للحكومات أن تلغي العقود الملزمة أحاديًا مع المستثمرين الأجانب وتتجاهل القانون الدولي. وأشارت إلى استثماراتها بمليارات الدولارات في قطاعات الموانئ والبنية التحتية اللوجستية في إفريقيا بما في ذلك السنغال، مصر، موزمبيق، وصومالي لاند. ويرى خبراء الصناعة أن قضية جيبوتي أصبحت تحذيرًا عالميًا للمستثمرين، إذ تبرز كيف يمكن للتدخلات السياسية وعدم احترام أحكام التحكيم أن يهدد التنمية الاقتصادية والمصداقية الدولية للدولة.
وبينما أغلق الحكم الأخير لمحكمة لندن الإجراءات مع شركة "ميناء جيبوتي"، تواصل "موانئ دبي العالمية" سعيها القانوني لاسترداد تعويضاتها وتنفيذ الأحكام السابقة.
ويظل النزاع، بعد سبع سنوات من اندلاعه، من أبرز قضايا التحكيم الاستثماري في إفريقيا، حيث بات رمزًا للتحدي القائم بين العقود التجارية وحق السيادة الحكومية.