

أبراج الإمارات والمنطقة المحيطة بها في دبي. تدخل الأعمال العائلية في الإمارات - التي طالما اعتبرت العمود الفقري لاقتصاد الأمة - حقبة جديدة.
تشهد الشركات العائلية في دولة الإمارات العربية المتحدة تحولاً جليلاً عابراً للأجيال، يعيد تشكيل كيفية ملكيتها وحوكمتها واستعدادها للمستقبل، في وقت تمر فيه المنطقة بما يصفه الخبراء بـ "انتقال الثروة العظيم" والتاريخي. ووفقاً لكبار القادة في شركة "ديلويت"، فإن هذا الانتقال لا يقتصر فقط على نقل الأصول من المؤسسين إلى الورثة، بل إنه يعيد هيكلة الأسس التي تقوم عليها بعض أكثر الشركات نفوذاً في المنطقة بشكل جذري.
تصف الدكتورة ريبيكا غوتش، رئيسة قسم الرؤى العالمية في "ديلويت برايفت"، دولة الإمارات ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع بأنها "واحدة من أسرع ساحات الشركات العائلية نمواً في العالم"، مستشهدة ببيانات تظهر أن أكثر من 500 عائلة تدير شركات تحقق إيرادات تتجاوز 100 مليون دولار، وهو رقم من المتوقع أن يرتفع بنسبة 10 في المئة بحلول عام 2030. وتعزو هذا الارتفاع الدراماتيكي إلى "خلق ثروات غير مسبوقة، والإصلاحات الداعمة للأعمال، وموجة جديدة من قادة الجيل القادم الذين يعملون على إضفاء الطابع المهني على مؤسساتهم بسرعة كبيرة".
لكن التحول الديموغرافي الجاري يثبت أنه لا يقل أهمية عن التحول الاقتصادي. وتشير غوتش إلى أن "انتقال الثروة العظيم يعيد بشكل جذري تشكيل هياكل ملكية الشركات العائلية في دولة الإمارات"، مضيفة أنه مع انتقال السيطرة من المؤسسين إلى أبنائهم، تبتعد الشركات عن "نماذج القيادة غير الرسمية القائمة على الشخصية إلى هياكل مؤسسية أكثر تنظيماً".
ويؤيد هادي علاوي، الشريك ورئيس قطاع الشركات العائلية في "ديلويت الشرق الأوسط"، ذات الشعور قائلاً: "مع انتقال الثروة إلى الجيل القادم، تعمل العائلات في الشرق الأوسط بشكل استباقي على إعادة تشكيل نماذج الملكية والقيادة، مما يضمن بقاء شركاتها مرنة ومستدامة وتنافسية عالمياً"، مسلطاً الضوء على كيف أصبح التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد جزءاً أصيلاً لا خياراً ثانوياً.
ويأتي هذا لإعادة الهيكلة في وقت تسرع فيه الشركات العائلية في الإمارات من توسعها العالمي. وتقول غوتش إنه على مدى العامين المقبلين، أصبحت أوروبا الوجهة الأولى للنمو، حيث توفر "بيئات تنظيمية مستقرة، وأسواقاً استهلاكية ذات قيمة عالية، وأصولاً تكنولوجية استراتيجية".
ومع ذلك، وبينما تتوسع العائلات بسرعة وتنتشر دولياً، فإنها تواجه مجموعة متزايدة من المخاطر الداخلية والخارجية. ووفقاً لنتائج "ديلويت" التي استشهدت بها غوتش، فإن 68% من الشركات العائلية في الشرق الأوسط ترى الآن في عدم اليقين الاقتصادي خطراً خارجياً مرتفعاً أو متوسطاً، بينما يصنف 52% منها ضعف الأمن السيبراني كخطر داخلي كبير. وتوضح غوتش أن "العائلات الأكثر تطوراً تستجيب بشكل استباقي عبر الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، واعتماد ممارسات إدارة المخاطر على مستوى المؤسسة، وتقوية مجالس إدارتها، وإضفاء الطابع الرسمي على عمليات صنع القرار". وتلاحظ أن الحوكمة يُنظر إليها بشكل متزايد ليس كإجراء دفاعي، بل كـ "مصدر للميزة التنافسية".
وفي قلب هذا التحول يكمن توازن دقيق ولكن متعمد بين الإرث والتحديث. وتلاحظ غوتش أن "الشركات العائلية في الإمارات تحقق توازناً مدروساً بشكل أكبر بين الحفاظ على السيطرة العائلية التقليدية وترسيخ الحوكمة الحديثة"، مشيرة إلى صعود المجالس العائلية النشطة ومجالس الإدارة الأكثر احترافية التي تضم مديرين مستقلين. كما أصبحت الأطر الرسمية توجه بشكل متزايد حل النزاعات، وتخطيط الخلافة، وتطوير القيادة.
ويؤكد كل من غوتش وعلاوي أن الاستدامة طويلة الأمد للمشاريع العائلية في الإمارات تعتمد على مدى فعالية إدارتها لهذا التحول الجيلي. وتلخص غوتش هذا التحول بأنه يهدف إلى ضمان أن الانتقالات "ليست سلسة فحسب، بل إنها تعزز الاستدامة طويلة الأجل للمؤسسة". ويعزز علاوي هذه النقطة، مشيراً إلى أن العائلات التي تسبق غيرها في إدارة هذا الانتقال ستكون في أفضل وضع للازدهار: "إنهم يعيدون تعريف كيفية عملهم لضمان قدرتهم على المنافسة ليس إقليمياً فحسب، بل عالمياً أيضاً".
ومع تكشف واحد من أكبر عمليات انتقال الثروة بين الأجيال في التاريخ الحديث، تدخل الشركات العائلية في الإمارات — والتي لطالما اعتبرت العمود الفقري لاقتصاد الأمة — حقبة جديدة. فلم تعد المأسسة، والحوكمة القوية، وهياكل الملكية الواضحة، وتمكين قادة الجيل القادم مجرد أهداف طموحة، بل أصبحت السمات المحددة للمشاريع الناجحة عبر الأجيال في المنطقة.