توقعات أسواق السلع 2026..فجوة تاريخية بين طفرة المعادن وفائض الطاقة

تنامي الطلب السيادي على الذهب مقابل ضغوط هيكلية تهدد أسعار النفط والغاز.
مضخات ترفع النفط من الآبار في حقل النفط ميدواي-سانسيت في فيلوز، كاليفورنيا.

مضخات ترفع النفط من الآبار في حقل النفط ميدواي-سانسيت في فيلوز، كاليفورنيا.

تاريخ النشر

رسم بنك "جولدمان ساكس" (Goldman Sachs) خطاً جريئاً في أسواق السلع العالمية لعام 2026: اشتروا الذهب بقوة وبيعوا النفط. في أحدث تقرير له عن "آفاق السلع"، بقيادة دان سترويفن، يرى البنك أن العالم يدخل فترة من التباين الشديد مدفوعة بقوتين أطلق عليهما "سباق القوة" و"موجات الإمداد". وتشير هاتان القوتان معاً إلى سوق صاعدة هيكلية في المعادن الثمينة والاستراتيجية، وضغط مطول على أسعار الطاقة.

يمثل "سباق القوة" اختصاراً للمنافسة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين على الذكاء الاصطناعي وأمن الطاقة والنفوذ الجيوسياسي. ويزعم جولدمان أن هذا التنافس يعتمد بطبيعته على المعادن بكثافة؛ فمراكز البيانات، والتحول للكهرباء، وإعادة التسلح العسكري، وتطوير الشبكات الكهربائية، كلها تتطلب كميات هائلة من الذهب والنحاس وغيرها من المواد الاستراتيجية. في المقابل، تصف "موجات الإمداد" ما يحدث في قطاع الطاقة: حيث بدأت سنوات من الاستثمار تؤتي ثمارها أخيراً بضخ براميل وجزيئات وأطنان جديدة في أسواق لم تعد بحاجة إليها.

وقد كانت النتيجة واضحة بالفعل في عام 2025؛ حيث ارتفع الذهب إلى مستويات قياسية متكررة بينما كافح النفط للحفاظ على مكاسبه. ويرى جولدمان أن هذا ليس تباينًا مؤقتًا، بل هو البداية لمسار تجاري سيمتد لعدة سنوات.

يحتل الذهب مركز الصدارة في هذه التوصية؛ إذ يصفه جولدمان بأنه السلعة المفضلة لديه للشراء (Long) ويتوقع ارتفاع الأسعار إلى 4,900 دولار للأوقية بحلول ديسمبر 2026. والمحرك الأساسي هو طلب القطاع الرسمي. ومن المتوقع أن تشتري البنوك المركزية حوالي 70 طناً من الذهب شهرياً العام المقبل، وهو ما يعادل أربعة أضعاف متوسط الوتيرة التي شوهدت قبل عام 2022. ويتماشى هذا التقدير مع الاتجاهات الأوسع التي أشار إليها مجلس الذهب العالمي، والذي أفاد بأن المشتريات السنوية للبنوك المركزية تقترب من 1,000 طن أو تتجاوزها في السنوات الأخيرة، بقيادة الأسواق الناشئة التي تسعى للتنويع بعيداً عن الدولار الأمريكي.

وما يجعل التوصية بشأن الذهب أكثر لفتاً للانتباه هو غياب مشاركة الأفراد؛ إذ يقدر جولدمان أن صناديق الذهب المتداولة (ETFs) لا تمثل سوى 0.17% فقط من أصول المحافظ الخاصة في الولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، حتى بعد الارتفاع التاريخي، لا تزال ملكية الذهب بعيدة كل البعد عن الازدحام. ومع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وضعف العائدات الحقيقية أمام تيسير السياسات النقدية، واستمرار مديري الاحتياطيات في الشراء، يرى جولدمان أنه لا يوجد ما يمنع الوصول إلى أسعار أعلى بكثير.

في المقابل، يقع النفط على الجانب الآخر من الميزان؛ إذ يتوقع جولدمان أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 56 دولاراً فقط للبرميل في عام 2026، مع بلوغ خام غرب تكساس الوسيط حوالي 52 دولاراً، وهو ما يقل كثيراً عن المستويات الحالية. ويرى البنك أن السوق غارق بالفعل في الإمدادات؛ فما زال الإنتاج الأمريكي مرناً، والإنتاج من خارج منظمة "أوبك" يواصل النمو، كما أن سنوات الانضباط الاستثماري بدأت تفسح المجال لزيادة الكميات. وما لم تقدم "أوبك+" تخفيضات عميقة ومستدامة، أو تحدث اضطرابات جيوسياسية كبرى تشمل منتجين مثل روسيا أو إيران، فمن المرجح أن يؤدي تراكم المخزونات إلى وضع سقف للأسعار. وقد ترددت أصداء تحذيرات مماثلة من قبل وكالة الطاقة الدولية، التي سلطت الضوء مراراً وتكراراً على مخاطر الفائض في النصف الثاني من العقد.

ويحتل النحاس منطقة وسطى؛ فبعد موجة ارتفاع قوية، يتوقع جولدمان أن تتماسك الأسعار حول 11,400 دولار للطن طوال عام 2026. ويقول البنك إن هذا التوقف لا ينبغي تفسيره على أنه انعكاس للاتجاه؛ فما زال النحاس المعدن الصناعي المفضل لدى جولدمان على المدى الطويل، مدعوماً ببناء مراكز البيانات والتحول للكهرباء وتوسيع الشبكات. وأي تحرك من جانب الصين لزيادة مخزوناتها الاستراتيجية لن يؤدي إلا إلى تعزيز الحد الأدنى للأسعار.

أما معادن البطاريات فتروي قصة مختلفة تماماً؛ حيث يحث جولدمان المستثمرين على تجنب الليثيوم والنيكل، محذراً من أن مساعي الصين لتأمين الإمدادات لسباق التكنولوجيا تغرق السوق. فكما أن الاستثمارات الضخمة في المشاريع الخارجية، لا سيما في أفريقيا وإندونيسيا، تضخ إمدادات جديدة بغض النظر عن إشارات الأسعار. ويتوقع جولدمان انخفاض أسعار الليثيوم بنسبة 25% إضافية بحلول نهاية عام 2026، وهي رؤية تتفق إلى حد كبير مع بيانات الصناعة التي تظهر توسعاً سريعاً في السعة الإنتاجية يفوق نمو الطلب على المركبات الكهربائية.

ويبرز الغاز الطبيعي كيف يمكن لـ "موجات الإمداد" أن تخلق رابحين وخاسرين إقليميين. فعلى الصعيد العالمي، يتوقع جولدمان تخمة في الغاز الطبيعي المسال لعدة سنوات، مع ارتفاع الإمدادات بنحو 50% بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2024، وهو ما من شأنه أن يضغط على الأسعار في أوروبا وآسيا. لكن الوضع في الولايات المتحدة مختلف؛ فباعتبارها المورد العالمي المرجح للغاز المسال، فإن ارتفاع الصادرات يترجم إلى طلب محلي أقوى. ويتوقع جولدمان أن يؤدي ذلك إلى تضييق توازن الغاز في الولايات المتحدة بما يكفي لدعم أسعار "هنري هوب" خلال عامي 2026 و2027، حتى مع تراجع المؤشرات العالمية.

وتؤكد نقطة بيانات أخيرة على أطروحة "سباق القوة"؛ فرسالة جولدمان صريحة: "اركبوا موجة المعادن المرتبطة بذلك السباق، وابتعدوا عن الطاقة الغارقة في الإمدادات". ويقدر جولدمان نمو الطلب على الكهرباء في الولايات المتحدة بنحو 3%، مع تشغيل العديد من المناطق بالفعل عند مستويات القدرة الاحتياطية الحرجة أو أقل منها. ففي عالم أصبحت فيه الكهرباء والبيانات والأمن هي العملات الجديدة للقوة، لم تعد السلع تتحرك معاً في اتجاه واحد.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com