

يتطور إعداد التقارير المالية، فلم تعد الاستدامة مجرد إضافة، بل أصبحت جانباً أساسياً من أداء الأعمال. ومع تعزيز منطقة الشرق الأوسط مكانتها كمركز أعمال عالمي، فإنها تلتزم بأطر إعداد التقارير المالية المعترف بها دولياً لتعزيز الشفافية، وضمان الامتثال، وبناء الثقة مع أصحاب المصلحة.
اعتمدت دولة الإمارات العربية المتحدة المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية (IFRS)، مما يعني أن جميع الشركات والمؤسسات المالية المدرجة في البورصة في الدولة ملزمة بالامتثال للمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، وتعزيز الاتساق والشفافية.
إدراكاً لتأثير المخاطر البيئية والمناخية بشكل مباشر على الاستقرار المالي، أدخلت المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية معياري S1 وS2، لدمج كشوفات الاستدامة مع التقارير المالية التقليدية. هذا يعني أن المستثمرين والجهات التنظيمية وأصحاب المصلحة يتوقعون من الشركات الإبلاغ عن نتائجها المالية، وتأثيرها البيئي، ومخاطرها المتعلقة بالمناخ.
ومع ذلك، يُعدّ جمع بيانات الاستدامة وتحليلها ودمجها عمليةً معقدة. وهنا تبرز أهمية التكنولوجيا لتلبية هذه المتطلبات الجديدة بكفاءة ودقة. في الإمارات العربية المتحدة، تُعيد التكنولوجيا تشكيل المجتمع، لا سيما مع صعود الأتمتة وانتشار الذكاء الاصطناعي.
الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأتمتة
وجد تقرير KPMG لتوقعات الرؤساء التنفيذيين لعام 2024 أن الرؤساء التنفيذيين في دولة الإمارات العربية المتحدة يراهنون بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي والحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية للتنقل في بيئة عالمية معقدة. وقال 56% من الرؤساء التنفيذيين في دولة الإمارات العربية المتحدة إنهم يتوقعون عوائد على استثمارات الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية في غضون 3 إلى 5 سنوات، مقارنة بـ 55% على مستوى العالم، مما يعكس توافق الرؤساء التنفيذيين في دولة الإمارات العربية المتحدة مع أجندة الاستدامة في البلاد.
تُعدّ أجندة الإمارات العربية المتحدة الخضراء 2030 خطةً طويلة الأمد للتنمية المستدامة. وتُلزم هذه الأجندة الشركات المساهمة العامة المدرجة في سوق دبي المالي وسوق أبوظبي للأوراق المالية بتقديم تقارير استدامة سنوية تُفصّل استراتيجياتها طويلة الأمد وتأثير أنشطتها.
هناك عدة أسباب تجعل تقارير الاستدامة تتفوق على التقارير المالية التقليدية، وتستفيد الشركات الإماراتية من الامتثال. تتبع التقارير المالية التقليدية قواعد مُهيكلة، لكن تقارير الاستدامة تتضمن تتبع مجموعة أوسع من العوامل، مثل انبعاثات الكربون، واستهلاك الطاقة، ومخاطر المناخ، وغيرها. تُبسط الاستراتيجية القائمة على التكنولوجيا تقارير الاستدامة من خلال توفير الدقة والكفاءة.
على سبيل المثال، تُتيح المنصات السحابية للمؤسسات نظاماً مركزياً يجمع البيانات المالية وبيانات الاستدامة، مما يُقلل الأخطاء ويضمن الاتساق. يُسهّل اعتماد الذكاء الاصطناعي والأتمتة معالجة البيانات الضخمة، وخاصةً الوثائق المطولة والمفصلة، مما يُقلل الحاجة إلى الإدخال اليدوي، ويكشف في الوقت نفسه عن المخاطر أو التناقضات المحتملة.
على الرغم من أن بعض الشركات في الإمارات العربية المتحدة لا تزال تعتمد على إدخال البيانات وجداول البيانات يدوياً، إلا أنها تُدرك تزايد خطر الأخطاء والتناقضات. هناك حاجة مُلحة ومتزايدة لإنشاء قاعدة رقمية متينة تُزامن بيانات الاستدامة بفعالية مع التقارير المالية.
باستخدام قوة التكنولوجيا، يُمكن للشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة تتبع أداء الاستدامة بطريقة ديناميكية وتفاعلية، مما يُؤدي إلى اتخاذ قرارات مدروسة بشكل أفضل. كما يُوفر انتشار تقنية البلوك تشين حلاً آمناً ومضاداً للتلاعب من أجل التحقق من بيانات الاستدامة، مما يُعزز الثقة ويُبسط عملية التدقيق.
دور جيل الذكاء الاصطناعي في إعداد التقارير المتعلقة بالاستدامة
يُعد الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) أحد أكثر الابتكارات تحولاً. فمن خلال مسح كميات هائلة من البيانات (من تقارير الموردين إلى الأطر التنظيمية)، يكتشف هذا الذكاء الاصطناعي تلقائياً عن أي ثغرات أو تناقضات في ثوانٍ معدودة. كما يُحسّن تحليل السيناريوهات، مما يُساعد الشركات على توقع المخاطر المتعلقة بالمناخ والآثار التنظيمية.
من التطبيقات الفعّالة لـ GenAI في تقارير الاستدامة رسم خرائط سلسلة القيمة، وتحديداً في تقييم انبعاثات النطاق 3. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل البيانات المتعلقة بالموردين والمشتريات والعمليات لتحديد المناطق ذات كثافة انبعاثات الكربون العالية. على سبيل المثال، يمكن لمقدم رعاية صحية عالمي يدير شبكة من المستشفيات والموردين الاستفادة من GenAI لتبسيط تقارير انبعاثات النطاق 3. سيؤدي ذلك إلى تحسين دقة البيانات وكشوفات أكثر دقة، بما يتماشى مع المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية S2.
لا تضمن هذه الإمكانية الامتثال فحسب، بل تساعد المؤسسات أيضاً على إدارة المخاطر المالية المتعلقة بالمناخ بشكل استباقي، وتعزز الشفافية للمستثمرين والجهات التنظيمية، وتبني سلاسل توريد أكثر استدامة. فبدون رؤى قائمة على الذكاء الاصطناعي، قد تواجه الشركات كشوفات غير متسقة وغير كاملة، مما يؤثر سلباً على ثقة المستثمرين ومكانتها التنظيمية في عصر يشهد تدقيقاً متزايداً على قضايا الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية.
التحديات في تبني التكنولوجيا
لا شك أن الذكاء الاصطناعي والأتمتة يُقدّمان فوائد كبيرة للشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا أنهما قد يُواجهان بعض التحديات. تتطلب نماذج الذكاء الاصطناعي مجموعات بيانات ضخمة، غالباً ما تحتوي على معلومات حساسة خاصة بالشركة. لذلك، يجب على الشركات تطبيق تدابير أمنية صارمة. ونظراً لأن العديد من المؤسسات تعمل على بنية تحتية ققديمة لتكنولوجيا المعلومات، فإن الانتقال من أنظمة التقارير التقليدية إلى الأنظمة الرقمية قد يكون مُرهقاً. ومن الضروري أيضاً مراجعة البيانات المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي بدقة لضمان دقتها ومواءمتها مع اللوائح التنظيمية.
سيكون مثالياً أن تبدأ المؤسسات الإماراتية رحلة إعداد تقارير الاستدامة تدريجياً، بدءاً بالبرامج التجريبية، وتقييم جاهزية النظام، وتوسيع نطاق الحلول الرقمية تدريجياً. ومع تزايد أولوية المستثمرين والعملاء للاستدامة، ستعزز الشركات التي تتحرك الآن الثقة في عملها وتؤهل عملياتها للمستقبل. ومن خلال الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية، يمكن للشركات الإماراتية تحويل متطلبات إعداد التقارير المعقدة إلى عملية فعّالة واستراتيجية، واكتساب ميزة تنافسية.
الكاتب هو مدير المحاسبة والمالية في شركة KPMG Lower Gulf.