

مع تقدم دولة الإمارات في مسيرتها نحو التحول إلى اقتصاد مستدام وقائم على المعرفة، يلعب التوطين دورًا حيويًا أكثر من أي وقت مضى. لقد أصبحت السياسة الحكومية التي تهدف إلى زيادة مشاركة المواطنين الإماراتيين في القوى العاملة محركًا قويًا للنمو الوطني طويل الأجل. فهي تساعد في بناء قوة عاملة أكثر مهارة وتنوعًا، وتخلق فرصًا وظيفية هادفة للمواطنين، وتنمي شعورًا أقوى بالهوية والفخر الوطنيين في جميع قطاعات الاقتصاد.
على مر السنين، ركز التوطين على زيادة مشاركة المواطنين في القوى العاملة، لا سيما في القطاع الخاص، حيث كان الإماراتيون يمثلون تقليديًا نسبة صغيرة فقط من الموظفين. في الواقع، تظهر تقارير سابقة أن الإماراتيين كانوا يمثلون 0.34% فقط من وظائف القطاع الخاص. ومع ذلك، فإن الزخم الأخير المدفوع بمنصات وطنية مثل "نافس" بدأ يغير هذه الصورة. يعمل الآن أكثر من 131,000 مواطن إماراتي في القطاع الخاص، مما يمثل خطوة كبيرة إلى الأمام من حيث التمثيل والفرص.
على الرغم من هذه التطورات، لا تزال هناك فجوات كبيرة تحتاج إلى سدها. على سبيل المثال، في قطاع التأمين، يمثل الإماراتيون حاليًا 22% فقط من القوى العاملة، أي 2,159 موظفًا من أصل 9,773، حتى يونيو 2025. لتسريع التقدم وتعزيز التغيير الهادف، وضعت الإمارات أهدافًا طموحة جديدة. بحلول عام 2030، من المتوقع أن يشغل الإماراتيون 50-60% من الأدوار في هذا القطاع، بما في ذلك المناصب العليا والأدوار القيادية الرئيسية. تعكس هذه الأهداف طموحًا أوسع؛ ليس فقط لزيادة الأعداد، بل لخلق مشاركة دائمة وعالية التأثير عبر الصناعات.
تدرك الشركات ذات الرؤية المستقبلية أن التوطين ليس مجرد إجراء تنظيمي يجب الالتزام به، بل هو أصل استراتيجي. فمن خلال توظيف المواهب الإماراتية على جميع المستويات، من الخريجين الجدد إلى المديرين التنفيذيين، يمكن للشركات تعميق التوافق الثقافي، وتعزيز ثقة المساهمين، وفتح فرص جديدة.
تلعب منصة "نافس" دورًا رئيسيًا في هذا السياق، حيث تقدم إعانات للأجور، ودعمًا للتدريب والتوظيف. هذه ليست مجرد حوافز، بل هي أدوات للتغيير، تساعد كلًا من أصحاب العمل والمهنيين الإماراتيين على الازدهار في اقتصاد تنافسي يركز على المستقبل.
إن الأثر الأكثر تحوليًا للتوطين يكمن في تركيزه على تنمية المهارات. في عالم يتطلب الكفاءة الرقمية، والقدرة على التكيف، والتعلم المستمر، يمكّن التوطين المواطنين الإماراتيين من التقدم ليس فقط كمشاركين، بل كقادة.
إن المبادرات التي تشجع على رفع مستوى المهارات، والتوجيه، والتطوير المهني، تعد القوى العاملة الوطنية لتلبية احتياجات اليوم وتحديد شكل صناعات الغد.
إن التحول الرقمي السريع في الإمارات، المدفوع بظهور التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي (AI)، يفتح فرصًا جديدة ومثيرة للمهنيين الإماراتيين. مع تطور الصناعات، لم تكن الحاجة إلى مواءمة التأسيس الثقافي مع الابتكار أكبر من أي وقت مضى.
يلعب التوطين دورًا رئيسيًا في هذا التحول. فمن خلال الاستثمار في تطوير المواهب الوطنية ذات الخبرة في التقنيات الناشئة، تعد الإمارات مواطنيها ليس فقط للتكيف، بل لقيادة الابتكار والمنافسة عالميًا.
إن هذا التقارب بين التقنيات والمواهب جارٍ بالفعل. فمع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للوظائف، وعمليات اتخاذ القرار، ونماذج الأعمال، سيكون المهنيون الإماراتيون الذين يطورون قدرات رقمية وقدرات قوية في الذكاء الاصطناعي في وضع جيد للتفوق في الأداء والقيادة. وإدراكًا لذلك، تروج حكومة الإمارات بنشاط لمحو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات الرقمية عبر جميع القطاعات، وهو إجراء يُعد مكونًا أساسيًا لاستراتيجية التوطين الحديثة. بدءًا من هذا العام الأكاديمي، ستقوم الإمارات أيضًا بتطبيق منهج إلزامي للذكاء الاصطناعي في جميع المدارس الحكومية، من رياض الأطفال وحتى الصف الثاني عشر - مما يضمن تجهيز الجيل القادم من الألف إلى الياء بمهارات المستقبل.
يعد التوطين أيضًا ضروريًا للأهداف الوطنية الأوسع لدولة الإمارات المتمثلة في السيادة الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والقدرة على الصمود. فمن خلال تنمية قاعدة مواهب ذات جذور محلية عبر الصناعات والمستويات القيادية، تقلل الإمارات من اعتمادها على العمالة الوافدة وتبني اقتصادًا تقوده قوة عاملة متنوعة وذات دوافع محلية.
إن تطور التوطين هو عامل فريد. لم يعد الأمر يتعلق فقط بملء الوظائف؛ بل يتعلق ببناء القدرات الاستراتيجية، ورعاية القيادة، وتمكين الأفراد. نحن نؤمن بأن التوطين يمثل إعادة تعريف للنجاح، الذي يُقاس ليس فقط بعدد الإماراتيين الذين يدخلون سوق العمل، بل أيضًا بمدى مساهمتهم في تشكيل المستقبل. ومع استمرار الإمارات في رحلتها الرائعة، سيظل المهنيون الإماراتيون محورًا لتقدم الدولة، وتحويل التحديات إلى فرص والطموح إلى إنجازات.