التمويل المستدام في الشرق الأوسط: تحول جذري من السيادة إلى ريادة القطاع المصرفي

الإمارات والسعودية تقودان قاطرة النمو الإقليمي بإصدارات بلغت 35 مليار دولار في عام 2025 رغم التحديات العالمية.
وفقًا لبلومبرغ إنتليجنس، تضاعفت أحجام التمويل المستدام في المنطقة سبع مرات منذ عام 2020.

وفقًا لبلومبرغ إنتليجنس، تضاعفت أحجام التمويل المستدام في المنطقة سبع مرات منذ عام 2020.

تاريخ النشر

انتقل سوق التمويل المستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من مساحة متخصصة تقودها السيادة إلى محرك رأسمالي متعدد القطاعات ترتكز عليه البنوك، وتقوده الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية بشكل كبير، حيث ارتفعت الإصدارات إلى 35.1 مليار دولار في عام 2025 على الرغم من بيئة التمويل العالمية الصعبة.

وفقًا لبلومبرغ إنتليجنس، تضاعفت أحجام التمويل المستدام في المنطقة سبع مرات منذ عام 2020، مما يؤكد كيف أصبح رأس المال المرتبط بالمناخ جزءًا لا يتجزأ هيكليًا من الأنظمة المالية الخليجية حتى مع تراجع إصدارات السندات الخضراء على مستوى العالم وسط ارتفاع أسعار الفائدة ومعنويات المستثمرين التي تتجنب المخاطر.

ويظهر التقرير أنه على الرغم من أن إجمالي الإصدارات في عام 2025 كان أقل بنسبة 18% من الرقم القياسي المسجل في عام 2023، إلا أن تكوين السوق قد تغير بشكل جذري. فالمؤسسات المالية تستحوذ الآن على نصف إجمالي إصدارات التمويل المستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقريباً، ارتفاعاً من 32% في عام 2020، مما يمثل تحولاً حاسماً بعيداً عن النموذج الذي كان يهيمن عليه المقترضون الحكوميون وشبه السياديين. ويظهر هذا التحول الذي تقوده البنوك بشكل خاص في دولة الإمارات، حيث حوّلت المصارف الكبرى التمويل المستدام إلى مركز ربح أساسي من خلال السندات الخضراء، والقروض المرتبطة بالاستدامة، وتمويل التحول للقطاعات كثيفة استهلاك الطاقة.

وبرزت المملكة العربية السعودية كأكبر مصدر في المنطقة من حيث الحجم في عام 2025، حيث جمعت 19.7 مليار دولار بعد أن أطلق "إطار التمويل الأخضر" لعام 2024، والذي منح المستثمرين وضوحاً أكبر بشأن كيفية تخصيص رأس المال عبر مشاريع الطاقة المتجددة، والنقل النظيف، وإدارة المياه، وكفاءة الطاقة.

في غضون ذلك، تواصل الإمارات العربية المتحدة ترسيخ عمق السوق والسيولة من خلال بنوكها وشركاتها الرائدة، مما يجعلها المركز التشغيلي للتمويل المستدام في المنطقة.

سيطرت الأدوات المصنفة كأدوات "خضراء" على الإصدارات، حيث ارتفعت بنسبة 60% لتصل إلى 25.8 مليار دولار في عام 2025، مع تدفق رأس المال بشكل أساسي إلى الطاقة المتجددة، والبنية التحتية منخفضة الكربون، ومشاريع كفاءة المياه. ويتماشى هذا مع اتجاهات الاستثمار الإقليمية الأوسع؛ إذ تقدر الوكالة الدولية للطاقة أن الشرق الأوسط بحاجة إلى استثمار أكثر من 100 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2030 في الطاقة النظيفة وبنية الشبكات التحتية للبقاء على مسار أهداف "الصفر الحيوي"، بينما حذر البنك الدولي من أن ندرة المياه قد تقتطع ما يصل إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بحلول عام 2050 دون ترقيات واسعة النطاق للكفاءة. ويعد التمويل المستدام بشكل متزايد هو الجسر الذي يربط هذه المخاطر الكلية بالمشاريع القابلة للاستثمار.

وقد كانت البنوك الإماراتية، مثل بنك أبوظبي الأول وبنك الإمارات دبي الوطني، في طليعة هذا التحول، حيث قامت بتغطية وإصدار مليارات الدولارات من الأدوات الخضراء والمرتبطة بالاستدامة عبر الخليج وشمال أفريقيا وجنوب آسيا. ويستمر هدف اتحاد مصارف الإمارات المتمثل في تقديم تريليون درهم كتمويل مستدام بحلول عام 2030 في توفير ركيزة نمو قوية، وتقدر "بلومبرغ إنترليجنس" أن البنوك في وضع جيد للاستحواذ على فرصة بقيمة 2 تريليون دولار عبر قطاعات الطاقة المتجددة وأنظمة المياه والبنية التحتية منخفضة الكربون على مدى العقود القادمة.

بالنسبة للمقرضين، تقدم هذه المنتجات أيضًا عوائد جذابة معدلة حسب المخاطر، نظرًا للتدفقات النقدية التعاقدية طويلة الأجل لمشاريع الطاقة الشمسية ومزارع الرياح ومشاريع تحلية المياه.

وينعكس صعود المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة في بيانات سوق رأس المال الأوسع؛ حيث تظهر بيانات "مبادرة سندات المناخ" (Climate Bonds Initiative) أن إصدارات السندات الخضراء والاجتماعية وسندات الاستدامة التراكمية من دول مجلس التعاون الخليجي قد تجاوزت 150 مليار دولار منذ عام 2015، مع استحواذ الإمارات والسعودية على الغالبية العظمى منها. وفي الوقت ذاته، أشارت وكالة "إس آند بي جلوبال" للتصنيفات الائتمانية (S&P Global Ratings) إلى أن التمويل المستدام أصبح "قناة تمويل رئيسية" للشركات الإقليمية، لا سيما في قطاعات المرافق والعقارات والنقل، مع تحسن الإفصاحات المرتبطة بالمناخ وتعمق طلب المستثمرين.

وقالت غريس أوزبورن، محللة الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG) في "بلومبرغ إنترليجنس"، إن التباطؤ في عام 2025 يجب أن يُنظر إليه في سياقه بدلاً من اعتباره تراجعاً، وأضافت: "لقد نضج سوق التمويل المستدام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسرعة خلال السنوات الخمس الماضية، مدفوعاً بالمبادرات الحكومية، واللوائح الداعمة، وزيادة طلب المستثمرين. وبينما تراجعت الإصدارات في عام 2025 تماشياً مع الاتجاهات العالمية، فإن التحول نحو التمويل الذي تقوده البنوك والتمويل المصنف بالأخضر يعكس هيكل سوق أكثر ديمومة ومهيأ بشكل جيد لمزيد من النمو. ويسلط بروز السعودية كأكبر مصدر الضوء على كيفية قيام الأطر الوطنية والوضوح التنظيمي بتسريع حشد رأس المال على نطاق واسع".

كما يعمل الزخم التنظيمي في جميع أنحاء المنطقة على تعزيز هذا المسار؛ حيث تعمل الإمارات والسعودية وقطر على مواءمة أنظمة الإفصاح الخاصة بها مع معايير المجلس الدولي لمعايير الاستدامة، بينما تقوم البنوك المركزية بدمج اختبارات الضغط المناخي وتوجيهات الإقراض الأخضر في الأطر الاحترازية.

ومن المرجح أن تكون موجة النمو القادمة مدفوعة بمراكز البيانات المستهلكة للطاقة، ومشاريع الهيدروجين، والبنية التحتية المقاومة للمناخ مع تسريع الخليج لطموحاته الرقمية والصناعية. ومع تحول مراكز البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي بالفعل إلى مستهلك رئيسي للطاقة والمياه، يطالب المستثمرون بشكل متزايد ببناء قدرات جديدة تعتمد على الطاقة المتجددة، والتبريد الفعال، وأنظمة المياه المعاد تدويرها.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com