الاقتصاد الأخضر والاستدامة الحقيقية.. ضرورة الفصل بين المفهوم والوسيلة

تحليل للأبعاد السياسية والاجتماعية التي تجعل من "الاقتصاد المستدام" هيكلاً أشمل من مجرد التقنيات الخضراء
الاقتصاد الأخضر والاستدامة الحقيقية.. ضرورة الفصل بين المفهوم والوسيلة
تاريخ النشر

في الآونة الأخيرة، اكتسب مصطلح "الاقتصاد الأخضر" شعبية واسعة عبر السياسات البيئية الدولية وممارسات التنمية. ومع أنه جذاب من الناحية الرمزية، إلا أنه لا يترادف مع "الاقتصاد المستدام"، بل يعد من الخطأ والارتباك استخدامهما كبديلين لبعضهما البعض.

وكما قال الكاتب الإنجليزي نيل غايمان: "غالبًا ما نخلط بين ما نتمنى وبين ما هو كائن حقًا". وإثباتًا لصحة قوله، يتم تفسير "الأخضر" بشكل خاطئ على أنه "مستدام"، وهو المفهوم الذي يشمل خارطة طريق صديقة للبيئة. لقد حان الوقت لتحليل واستكشاف الأسس والآثار السياسية لهذين المصطلحين المتميزين.

هناك اختلافات جوهرية بين المفهومين من حيث الأبعاد الزمنية والاجتماعية والثقافية والسياسية. وبناءً عليه، يجب فحص التسمية "الخضراء" لتقديم بدائل دقيقة وشاملة تصف التحولات الاقتصادية التحويلية استجابةً للتحديات البيئية العالمية.

الأخضر مقابل المستدام

يركز الاقتصاد الأخضر على تقنيات الطاقة النظيفة، وخفض الانبعاثات، وإدارة الموارد. ومع ذلك، ورغم أهميته، فإنه يغفل العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويفتقر إلى الرؤية طويلة المدى، وغالبًا ما يُستخدم كأداة تجميلية دون إصلاح هيكلي حقيقي.

وعلى العكس من ذلك، فإن الاقتصاد المستدام هو إطار كلي ومتعدد الأبعاد يسعى إلى تحقيق التوازن البيئي. فهو يركز على حماية الموارد الطبيعية، والعدالة والشمول المجتمعي، والاقتصاد الكفء والمرن، والمسؤولية بين الأجيال. وباعتباره يمثل هيكلًا تحويليًا، فإنه يعيد تعريف العلاقة بين البشر والطبيعة، بما يتجاوز التقدم التقني.

إن الاقتصاد المستدام هو المسار الذي يلبي احتياجات الحاضر دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها الخاصة. وهو يتضمن المتطلبات الأساسية لفقراء العالم، والتي ينبغي منحها الأولوية.

أساس المشهد الأخضر

كان الاقتصاد الأخضر هو الموضوع المنظم لمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، الذي عقد في ريو دي جانيرو بالبرازيل عام 2012، لإحياء الذكرى العشرين لقمة الأرض عام 1992.

وعلى مر السنين، أدى المصطلح إلى تفسيرات متعددة. واكتسب المفهوم زخمًا في السنوات الأخيرة كنموذج لتقليل المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية. وباعتباره يُعرف بأنه منخفض الكربون، وفعال في استخدام الموارد، وشامل اجتماعيًا، فإن النمو في التوظيف والدخل فيه يكون مدفوعًا بالاستثمارات العامة والخاصة في الأنشطة والبنية التحتية التي تقلل من انبعاثات الكربون والتلوث، وتعزز كفاءة الطاقة والموارد، وتمنع فقدان التنوع البيولوجي.

إن الاقتصاد الأخضر هو أجندة لتحقيق التنمية المستدامة، ويؤكد على مواءمة الأهداف الاقتصادية مع الجوانب الاجتماعية والبيئية، ويجب دعم الاستثمارات من خلال إصلاحات السياسات.

الرحلة نحو التنمية المستدامة

إنها رحلة نحو التنمية المستدامة وتتطلب تحولًا جذريًا في أولويات الحكومات. يقوم الاقتصاد الأخضر بتقييم المشاريع بناءً على مبادئ الاتفاقيات المناخية الدولية، بما في ذلك اتفاق باريس، وينخرط في استراتيجيات طويلة المدى منخفضة الكربون، وتخضير القطاع المالي، ويركز على إزالة الكربون الصناعي، والبنية التحتية البيئية، والمباني الخضراء.

ومن أجل الانتقال إلى اقتصاد أخضر، يلزم إجراء تغييرات هيكلية وتكنولوجية كبيرة على مستوى العالم في قطاعات تشمل الطاقة، والبنية التحتية الحضرية، والنقل، والصناعة، والزراعة.

وبينما قد لا يبدو تحقيق هذا التغيير سهلاً، إلا أنه ضروري لتحقيق أهداف التنمية المستدامة (SDGs). ومع أن كل دولة ستنتقل إلى الاقتصاد الأخضر بوتيرة مختلفة، إلا أن الموارد والمعرفة والمعلومات تعد أمورًا حاسمة لهذا التحول.

ليس مسألة إدراك

بينما يمتلك المصطلح "أخضر" معنى تمثيليًا محدودًا يفشل في عكس التعقيد الهيكلي للاستدامة، فإنه من الناحية السياسية يحجب غياب العدالة أو الاستدامة الحقيقية خلف واجهة بيئية. إن المصطلحات ليست مجرد دلالات لغوية؛ بل هي التي تشكل الوعي والسياسات. إن اختزال الاقتصاد المستدام في "الأخضر" يضلل الأبعاد الاجتماعية والثقافية الضرورية لبناء مستقبل عادل ومرن.

لذلك، في عصر التحول البيئي العميق، سيكون من الأخلاقي النظر في بدائل لهذا المصطلح. فلا يمكن بناء الآمال على أساس من الارتباك. ولتحقيق الدقة المفاهيمية والإنصاف، يمكن ببساطة الإشارة إلى الاقتصاد الأخضر باعتباره اقتصادًا مستدامًا متكاملًا أو اقتصادًا تحويليًا، لأن الاقتصاد الأخضر لا يعني الاقتصاد المستدام. نقطة آخر السطر.

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com