

أبوظبي تتحول إلى وجهة عالمية حقيقية للاستثمار العقاري
يشهد سوق العقارات في أبوظبي تحولاً جذرياً، حيث يتجه المزيد من الوافدين المقيمين إلى شراء المنازل بدلاً من استئجارها، بالتزامن مع دخول المستثمرين من الخارج على خط المواجهة. ويعيد هذا التوجه تشكيل ملامح الطلب والأسعار والمنافسة في سوق العقارات بالعاصمة؛ وبالنسبة للسكان، يفسر هذا سبب ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع في السنوات الأخيرة واشتداد المنافسة على المنازل ذات المواقع المتميزة.
وأظهرت بيانات جديدة أصدرها مركز أبوظبي للعقارات هذا الأسبوع أن الوافدين المقيمين والمشترين الأجانب غير المقيمين استحوذوا على 62% من إجمالي مبيعات الوحدات السكنية في عام 2025، مما يؤكد الدور المتنامي للطلب الأجنبي في استدامة السوق.
كما وجد التقرير أن ما يقرب من 69% من النمو في مبيعات الوحدات السكنية المسجل بين عامي 2022 و2025 كان مدفوعاً بشكل خاص بالمشترين الأجانب المقيمين — وهم الوافدون الذين يعيشون ويعملون في الإمارة ويختارون بشكل متزايد التملك بدلاً من الإيجار طويل الأمد.
وبلغت القيمة الإجمالية للمعاملات العقارية 142 مليار درهم في عام 2025، بزيادة قدرها 44% على أساس سنوي، مع ارتفاع المبيعات السكنية بنسبة 67% لتصل إلى 76 مليار درهم. وبلغ الاستثمار الأجنبي المباشر في العقارات 8.2 مليار درهم، بمشاركة مشترين من أكثر من 100 جنسية.
وصرح بن كرومبتون، الشريك المؤسس لشركة "كرومبتون وكريستيان" للوساطة العقارية، بأن هذه الأرقام تعكس تحولاً جوهرياً في قاعدة المشترين في أبوظبي وجاذبيتها المتزايدة لرأس المال الدولي.
وقال كرومبتون: "تاريخياً، كان سوق العقارات في أبوظبي يتمتع بقاعدة مستثمرين أصغر وفُتح لاحقاً للمشترين الوافدين، لكن هذا المشهد يتطور الآن بسرعة، حيث تتدفق رؤوس الأموال الدولية إلى السوق بأعداد غير مسبوقة".
وأشار إلى أن هذا التوجه يطرح سؤالاً أوسع حول كيفية النظر إلى أبوظبي عالمياً الآن: "هل أصبحت أبوظبي وجهة استثمار عقاري عالمية حقيقية، وليست مجرد وجهة محلية؟".
لسنوات عديدة، كان يُنظر إلى الإمارة كاشوق أكثر تحفظاً وتأنياً، حيث كان تملك الوافدين مقتصرًا في البداية على مناطق استثمارية محددة منذ منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ووفقاً لكرومبتون، فقد تغير هذا التصور بشكل مرئي في السنوات الأخيرة.
وأضاف: "الاهتمام الدولي لم يعد إقليمياً فحسب، فالمشترون من أسواق استثمارية راسخة مثل المملكة المتحدة والصين والهند وروسيا ومن جميع أنحاء أوروبا يتطلعون الآن بنشاط إلى أبوظبي".
ومن بين أقوى المحركات وراء هذا التحول هو العرض الثقافي والترفيهي ونمط الحياة المتوسع في الإمارة. فقد ساعدت مشاريع مثل "لوفر أبوظبي"، و"تيم لاب فينومينا أبوظبي"، ومتحف "غوغانهايم أبوظبي" المرتقب، في إعادة ترسيخ مكانة المدينة دولياً، بينما وسعت المشاريع الترفيهية الكبرى جاذبيتها لما وراء منطقة الخليج.
وقال كرومبتون: "هذه المشاريع تخلق شهرة للعلامة التجارية تتجاوز حدود المنطقة بكثير، فهي تجعل أبوظبي أكثر شهرة كوجهة للعيش والزيارة والاستثمار، وتُرسل إشارة جماعية بأن المدينة قد طورت جاذبية ثقافية وعالمية قوية".
وأضاف أن الإصلاحات القانونية والتنظيمية لعبت أيضاً دوراً رئيسياً في بناء الثقة بين المشترين الأجانب. وأوضح: "الاستثمار العقاري ينطوي على مخاطر إذا لم يتم تنظيمه بشكل صحيح، وقد عالجت أبوظبي ذلك من خلال فرض متطلبات أكثر صرامة على المطورين والوسطاء والمثمنين، وإنفاذ حماية حسابات الضمان المرتبطة بمراحل الإنجاز في البناء".
وسلط الضوء على توسع "سوق أبوظبي العالمي" (ADGM) ليشمل مناطق حيوية مثل جزيرتي الريم والمارية كخطوة هامة بشكل خاص؛ حيث يوفر السوق، الذي يعمل بموجب القانون العام الإنجليزي ومحاكمه الخاصة، إطاراً قانونياً يفهمه ويثق به العديد من المشترين الدوليين.
كما ساهم تواصل المطورين مع الأسواق الخارجية في توسيع قاعدة المشترين. وأشار كرومبتون إلى أن المراحل الأولى لبعض المجتمعات السكنية كانت تهيمن عليها مبيعات المشترين من داخل الإمارات، بينما جذبت الإطلاقات الأحدث جمهوراً دولياً أكبر بكثير.
وقال: "تظهر إحصاءات الإطلاق لمشاريع رائدة مثل (جزيرة فاهد) أن نحو ثلثي المشترين جاؤوا من الخارج"، واصفاً ذلك بأنه "تحول دراماتيكي". وأضاف أن مطورين مثل "الدار العقارية" قاموا بتوسيع جولاتهم الترويجية الدولية وشبكات الوسطاء في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية، مما زاد بشكل كبير من الوعي العالمي بسوق أبوظبي.
بدأ هذا التغيير في سلوك المشترين يؤتي ثماره على أرض الواقع؛ حيث ذكر كرومبتون أن الوافدين المقيمين ينظرون بشكل متزايد إلى التملك كقرار مالي ونمط حياة طويل الأمد، بينما ينجذب المستثمرون غير المقيمين إلى قصة الاستقرار والثقافة وجودة الحياة في أبوظبي.
واختتم قائلاً: "منذ وقت ليس ببعيد، كان بيع وحدة عقارية يمثل تحدياً، حيث كان المشترون شديدي الحساسية تجاه الأسعار وحذرين. اليوم، يبدو أن رأس المال يتحرك بحرية أكبر، والمستثمرون من جميع أنحاء العالم يشاركون بثقة. لذا، هل يتزايد المشترون من خارج الإمارة؟ البيانات تقول نعم وبشكل قاطع — وبوتيرة تعيد تشكيل هوية السوق وإمكاناته".