

قطار مترو يسير بجانب مطار دبي الدولي. مشهد المشاريع في الإمارات يعكس بشكل متزايد حجم وتعقيد الاقتصادات العالمية الرائدة.
احتلت دولة الإمارات مكانة متقدمة بين أفضل الدول أداءً في مجال إدارة المشاريع، حيث جاءت في المرتبة الثامنة عالمياً مع وجود 23,670 شهادة نشطة صادرة عن معهد إدارة المشاريع (PMI)، بحسب بيانات جديدة تم الكشف عنها مؤخراً.
يعكس هذا الإنجاز استثمار الدولة المستمر في التميز المهني، واعتمادها على أسس إدارة المشاريع المنظمة لدفع أحد أكثر المبادرات الوطنية طموحاً على مستوى العالم.
تمثل إدارة المشاريع ركناً أساسياً في النموذج الاقتصادي لدولة الإمارات. فانتقال الدولة السريع نحو اقتصاد قائم على المعرفة وموجه نحو الابتكار، خلق طلباً كبيراً على المهنيين القادرين على قيادة المشاريع المعقدة عبر قطاعات تشمل الطيران والسياحة والعقارات والتقنيات المتقدمة والطاقة الخضراء والبنية التحتية الرقمية.
ومن تطوير المدن الذكية إلى برامج الطاقة المتجددة على مستوى الدولة، وجهود التحول الرقمي التي تشمل عدة جهات، بات مشهد المشاريع في دولة الإمارات يعكس بصورة متزايدة مستوى وحجم الاقتصادات العالمية الرائدة.
وأكدت أحدث بيانات معهد إدارة المشاريع هذا الزخم المتصاعد، إذ حلت الإمارات في المرتبة الثامنة عالمياً في الحصول على شهادة "محترف إدارة المشاريع" (PMP) المرموقة، التي تعد المعيار الذهبي العالمي لقادة المشاريع. كما جاءت الدولة في مرتبة أعلى في تخصصات أخرى، إذ احتلت المركز الرابع عالمياً في شهادة "محترف إدارة المخاطر" (PMI-RMP) والمركز الخامس في شهادة "محترف الجدولة" (PMI-SP).
تبرز هذه الإنجازات ليس فقط عمق القدرات في مجال إدارة المشاريع داخل الدولة، بل أيضاً تركيزها المتزايد على التخصصات المتقدمة الضرورية للمشاريع العملاقة الحديثة، حيث تعد النمذجة التنبؤية وتخطيط السيناريوهات والتنفيذ الحاسم في الوقت المحدد عناصر لا غنى عنها.
ويشير محللو الصناعة إلى أن هذا التقدم مرتبط بشكل وثيق بانتقال دولة الإمارات من الاعتماد على النفط نحو اقتصاد متنوع ومستعد للمستقبل. فاستراتيجيات التنمية الكبرى — مثل "رؤية الإمارات 2031" و"أجندة دبي الاقتصادية D33" وبرنامج "الصناعة 4.0" الوطني — تضع الإشراف المنهجي على المشاريع في قلب مسار التقدم الوطني. وتتطلب هذه الخطط قادة قادرين على دمج القرارات التقنية والمالية والاستراتيجية، ما دفع إلى زيادة الإقبال على الشهادات المتقدمة من معهد إدارة المشاريع.
ومن بين هذه الشهادات، تكتسب شهادتا "محترف إدارة البرامج" (PgMP) و"محترف إدارة المحافظ" (PfMP) زخماً متزايداً مع سعي المؤسسات إلى استقطاب كوادر تنفيذية قادرة على إدارة البرامج المترابطة وتوجيه محافظ الاستثمار بما يتماشى مع الأهداف الوطنية طويلة المدى.
ويتم تدريب الحاصلين على شهادة PgMP على تنسيق عدة مشاريع ذات صلة لتحقيق فوائد تجارية مشتركة، في حين يُؤهل أصحاب شهادة PfMP لتقييم المخاطر، وتحديد أولويات الاستثمارات، وتحسين قيمة المحافظ الاستثمارية بالكامل. ويعكس ازدياد عدد هؤلاء المحترفين في دولة الإمارات تحولاً واضحاً نحو إدارة أكثر استراتيجية وشمولية على مستوى المؤسسات في القطاعين العام والخاص.
ويمتد التزام الدولة ببناء منظومة عالمية المستوى في إدارة المشاريع إلى ما هو أبعد من أعداد الشهادات. إذ تواصل الهيئات الحكومية، والشركات الكبرى، والمجموعات الصناعية التعاون مع فرع معهد إدارة المشاريع في دولة الإمارات وشبكته من شركاء التدريب المعتمدين لضمان توافق الكفاءات المهنية مع أحدث المعايير العالمية. كما أصبحت عملية التعلم المستمر عنصراً محورياً في تطوير الكفاءات الوطنية، خاصة مع إعادة تشكيل تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة والأتمتة لأدوات وأساليب تنفيذ المشاريع.
ورغم أن أعداد الشهادات قد تتقلب بفعل الدورات الاقتصادية، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى توسع مستدام. فارتفاع الاستثمارات في المشاريع العملاقة، والبنية التحتية المستدامة، وتنويع السياحة، والتحول الرقمي للحكومة يعزز الحاجة إلى فرق مشاريع ذات مهارات عالية، قادرة على تحويل الطموحات الاستراتيجية إلى نتائج ملموسة. ومع تسارع وتيرة التحول في الاقتصادات المجاورة، تكرّس ثقافة إدارة المشاريع الراسخة في دولة الإمارات مكانتها كنموذج إقليمي ومرجع عالمي في هذا المجال.
ويعكس صعود الدولة في التصنيفات العالمية فلسفة وطنية أعمق، مفادها أن التقدم الواسع النطاق يعتمد على التنفيذ المنضبط، والخبرة المتخصصة، وقوة رأس المال البشري. ومن خلال ترسيخ التميز في إدارة المشاريع في صميم نموذجها التنموي، تواصل دولة الإمارات تعزيز سمعتها كدولة لا تكتفي بتصوّر مستقبل طموح، بل تمتلك القدرة على تحقيقه باستمرار.