

الساعة تقترب لجهات العمل التي تبني أو تطبق أو تعتمد على أنظمة الذكاء الاصطناعي. مع اقتراب المرحلة الثانية من قانون الاتحاد الأوروبي لتنظيم الذكاء الاصطناعي، الذي يعد أول تنظيم ملزم للذكاء الاصطناعي في العالم، يبدأ عهد جديد من الحوكمة القابلة للتنفيذ في هذا المجال.
يُدخل القانون متطلبات صارمة لضمان الشفافية والسلامة والإشراف البشري، مع تصنيف أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى أربعة مستويات من المخاطر تحدد طريقة إدارتها. بدأت المرحلة الأولى التي دخلت حيز التنفيذ في 2 فبراير 2025 بحظر أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تُعد ذات مخاطر غير مقبولة، وطلبت من المؤسسات العاملة في الاتحاد الأوروبي تحسين مستوى معرفة موظفيها بالذكاء الاصطناعي. أما المرحلة التالية فتضع التزامات جديدة على الذكاء الاصطناعي العام، مثل النماذج التي تشمل ChatGPT، وClaude، وDALL·E، وMidjourney، وAnthropic، وMeta، وGoogle BERT. تشمل هذه المتطلبات الشفافية الأكبر، وإنشاء توثيق تقني مفصل، والكشف عن المواد المحمية بحقوق الطبع والنشر المستخدمة أثناء التدريب.
طالبت الشركات الأوروبية بوقف هذه الإجراءات، لكن الاتحاد الأوروبي رفض ذلك، مما يعكس واقعين: الأول هو أن عصر تنظيم الذكاء الاصطناعي القابل للتنفيذ قد بدأ وسيستمر في التوسع. والثاني أن العديد من الشركات لا تزال تعمل على التحضير لهذا الواقع رغم النقاشات المطولة حول أطر الذكاء الاصطناعي المسؤول.
الرؤية القانونية المسبقة كميزة استراتيجية
لم يعد التعامل مع التوافق مع قوانين الذكاء الاصطناعي كاستجابة لاحقة أمرًا مستدامًا. واليوم، مع سرعة تطور اللوائح بشأن الذكاء الاصطناعي والمسؤول والأخلاقي، تصبح الرؤية القانونية المسبقة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
لا بد من دمج الامتثال ضمن كيفية بناء الأنظمة وتطبيقها وتطويرها منذ البداية، لا سيما للنماذج العامة المعقدة سريعة التطور والتي تؤثر في مجالات واسعة.
يساعد دمج الامتثال ضمن عملية التطوير بدلاً من إجباره بعد ذلك على تقليل المخاطر التشغيلية وتعزيز الثقة مع العملاء والشركاء والجهات التنظيمية. هذه النهج الاستباقي يتم تبنيه بالفعل في ولايات تدرك أهمية التنظيم كحافز للابتكار، مثل الإمارات.
في السنوات الأخيرة، أرسى الإمارات نظامها الحوكمي للذكاء الاصطناعي عبر مبادرات مثل مجلس الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة وميثاق الإمارات للذكاء الاصطناعي، اللذين يؤكدان على الأخلاقيات والشفافية والمصلحة العامة. وتبرز هذه الجهود أهمية التعاون بين الحكومة والصناعة لضمان أن التقنيات الناشئة ليست فقط متقدمة، بل تُستخدم بمسؤولية.
لا يمكن لمنظمة واحدة أن تواجه هذا المشهد التنظيمي المتغير منفردة. الانخراط مع الأقران في الصناعة، وواضعي السياسات، ومقدمي التكنولوجيا أمر حيوي. التنظيم التشاركي، الذي يتعاون فيه الحكومات والشركات الخاصة والمجتمع المدني لصياغة قوانين وضوابط تدعم التقدم، يبرز كأكثر الطرق فعالية. تعد شراكة الإمارات مع المنتدى الاقتصادي العالمي عبر منصة الابتكار التنظيمي العالمي مثالاً بارزًا، حيث توفر أطرًا مشتركة، وأدوات معيارية، وآليات تعاونية تحوّل التنظيم من قيود إلى نموذج تمكيني يجمع بين السرعة والشمول والمعايير الأخلاقية.
يعكس هذا العقلانية التعاونية أيضًا تصميم شركة Core42 للبنية التحتية الخاصة بها، حيث تدمج متطلبات التنظيم والسيادة ضمن منصاتها لضمان أن الامتثال ليس مجرد فكرة لاحقة. فالسحابة العامة السيادية الخاصة بهم القائمة على مايكروسوفت أزور ومنصة Insight للرقابة السيادية، تعالج تحديات سيادة البيانات والامتثال للحكومات والقطاعات المنظمة مع الحفاظ على الابتكار في السحابة العامة. بفضل مجموعات التحكم السيادية المدمجة، والقدرات الشاملة للمراجعة، وإدارة الامتثال المبسطة، يمكن للمنظمات إدارة البيانات الحساسة بثقة مع الاستفادة من الأمان والمرونة في بيئة السحابة الفائقة.
لعملاء يحتاجون بيئات معزولة بالكامل للمهام المصنفة، تقدم السحابة الخاصة Signature Private Cloud نفس المبادئ عبر الجمع بين مرونة السحابة وضمانات الأنظمة الداخلية.
مع توجه الحكومات عالميًا نحو إشراف شامل على الذكاء الاصطناعي، ستنجح المؤسسات التي تستثمر في استراتيجيات قانونية استباقية اليوم وتحاول ضمان عرض وجهات نظرها أثناء مرحلة التنظيم التشاركي.
وفي الشرق الأوسط، نشهد بالفعل بروز هذا المستقبل. إذ أطلقت G42 ومايكروسوفت بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي مؤسسة الذكاء الاصطناعي المسؤول التي تضع معايير إقليمية للعدالة والشفافية والمساءلة. كما يبرز تقرير G42 لعام 2024 حول نظم الذكاء الاصطناعي السيادية أهمية أطر حوكمة البيانات مع تسارع الطلب على البيانات والتخزين وقوة الحوسبة مع تطورات الذكاء الاصطناعي. لذا، من المتوقع أن تحدد اللوائح المستقبلية معايير واضحة لسيادة البيانات، وتدفقات البيانات عبر الحدود، ومسؤولية أنظمة الذكاء الاصطناعي العاملة على البنى التحتية الوطنية، مع مراعاة السلامة التقنية والاعتبارات المجتمعية والثقافية الخاصة بالمنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، ستصبح تقييمات المخاطر المستمرة، والمراجعة اللحظية، والحوكمة القطاعية متطلبات قياسية قريبًا. للتهيؤ لذلك، يجب على الفرق القانونية بناء خبرة متعددة الوظائف، والتحلي بالإبداع، والاندماج في ديناميكية البيئة، والعمل عن كثب مع المهندسين ومالكي المنتجات وعلماء البيانات لاستباق المشهد التنظيمي المتوقع وليس رد فعله فقط.
للمؤسسات التي تطور أو تطبق الذكاء الاصطناعي، لن يكون النجاح مرهونًا فقط بالتقدم التكنولوجي بل بالقدرة على التنقل في بيئة قانونية متزايدة التعقيد. أولئك الذين ينتهجون الحذر والنزاهة سيكونون في أفضل وضع لكسب الثقة العامة وتحقيق قيمة طويلة الأمد.
الكاتبة هي المستشار العام في Core42.