

أبراج في دبي. تنظر الشركات العالمية بشكل متزايد إلى الإمارات العربية المتحدة كمنصة انطلاق للوصول إلى الصين وأفريقيا ورابطة دول جنوب شرق آسيا والولايات المتحدة.
ما الذي يجعل الإمارات مستمرة في التميز كواحدة من أكثر "اقتصادات الجسر" طلباً في العالم، ويعزز مكانتها كوجهة مفضلة للشركات العالمية الراغبة في التوسع؟
الجواب يكمن في مزيج نادر من الموقع الاستراتيجي، والإصلاحات الداعمة للأعمال، والبنية التحتية عالمية المستوى، والقيادة الرؤيوية التي حولت الدولة إلى مركز عالمي للتجارة، والتمويل، والخدمات اللوجستية، والابتكار.
أكد تقرير جديد أصدره بنك ستاندرد تشارترد تحت عنوان "مستقبل التجارة: المرونة" تزايد جاذبية الإمارات، كاشفاً أن 20% من الشركات عالمياً تعيد النظر في سلاسل التوريد عبر الدولة وهو دليل واضح على دورها المحوري في إعادة تشكيل التجارة العالمية.
وشملت الدراسة أكثر من 1200 شركة في 17 دولة، بإيرادات سنوية تزيد على 250 مليون دولار، حيث وضعت الإمارات ضمن أكبر ستة أسواق تحدد مستقبل التجارة الدولية. وأشار التقرير إلى أن الشركات العالمية ترى بشكل متزايد في الإمارات منصة انطلاق للوصول إلى الصين وأفريقيا ورابطة دول جنوب شرق آسيا والولايات المتحدة، بفضل شبكتها اللوجستية غير المسبوقة، واقتصادها المتنوع، وبيئتها التجارية المستقرة.
كما كشفت أن 50% من الشركات في السعودية ومصر والهند تخطط لتوسيع التجارة والاستثمار مع الإمارات، مما يبرز تزايد تأثيرها في تعزيز الشراكات الإقليمية وتقوية الممر التجاري بين الشرق الأوسط والهند.
وقال محمد سلامة، رئيس تغطية العملاء للشركات والخدمات المصرفية الاستثمارية في بنك ستاندرد تشارترد، إن تحول الإمارات إلى مركز تجاري عالمي يعكس نجاح استراتيجيتها طويلة الأمد في التنويع الاقتصادي. وأضاف: "صعود الإمارات كمركز تجاري عالمي يعكس رؤية القيادة لتنويع الاقتصاد، وتعزيز المرونة، والاستثمار في بنية تحتية عالمية المستوى. هذه الرؤية تضع الدولة في قلب ممرات التجارة المستقبلية، وتجذب الشركات العالمية لوضع الإمارات في صميم سلاسل التوريد الخاصة بها".
وتأتي هذه الثقة المتنامية في وقت تعيد فيه الشركات متعددة الجنسيات التفكير في استراتيجياتها التشغيلية بعد الجائحة، متبنية نماذج مثل "الصين +1" أو "الصين + الشرق الأوسط" لتنويع مصادر التوريد وقواعد الإنتاج. وبفضل بيئتها المؤيدة للأعمال واستقرارها السياسي واتصالها اللوجستي، أصبحت الإمارات بشكل متزايد بديلاً طبيعياً ومكملاً للمحاور الآسيوية والأوروبية التقليدية.
ووفقاً لبيانات وزارة الاقتصاد الإماراتية، فقد بلغت التجارة غير النفطية للدولة 2.6 تريليون درهم في عام 2024، مقارنة بـ 2.23 تريليون درهم في عام 2022، مدفوعة بالنمو القوي في إعادة التصدير والصادرات الصناعية. وتعد موانئ ومطارات الدولة — من بين الأكثر ازدحاماً في العالم شرايين حيوية للتجارة العالمية. ميناء جبل علي يتصل بأكثر من 150 وجهة عالمية، بينما يواصل ميناء خليفة في أبوظبي وميناء الحمرية في الشارقة تعزيز الربط الإقليمي. وتغطي شبكة الطيران الإماراتية، بقيادة طيران الإمارات والاتحاد للطيران، ست قارات وتلعب دوراً محورياً في ربط التجارة والخدمات اللوجستية والسياحة.
وتعزز جاذبية الإمارات أيضاً عبر بيئتها التنظيمية والاستثمارية القوية. فقد احتلت المرتبة الأولى عربياً والـ 18 عالمياً في مؤشر التنافسية العالمية الصادر عن "آي إم دي" لعام 2025، في حين تجاوزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر 30 مليار دولار في عام 2024، بحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، لتصنف ضمن أفضل 15 وجهة استثمارية في العالم.
جزء رئيسي من استراتيجية الإمارات للحفاظ على هذا النمو يتمثل في "مشروع 300 مليار"، وهي خطة طموحة تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الصناعي إلى 300 مليار درهم (81.7 مليار دولار) بحلول عام 2031. ويُعزّز هذا التوجه نحو التصنيع المتقدم والطاقة الخضراء والصناعات القائمة على التكنولوجيا من خلال اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة مع الهند وإندونيسيا وتركيا وكوريا الجنوبية، ما يفتح طرق تجارة جديدة واسعة.
وقال سلامة إن دور الإمارات كاقتصاد جسر أصبح أكثر أهمية. وأضاف: "مع تعميق الاقتصادات الإقليمية لروابطها التجارية، تلعب الإمارات دوراً محورياً في ربط شركاء من الشرق الأوسط وجنوب آسيا. ومن خلال موقعها الرابط للمنطقة مع الهند والصين وأفريقيا وما بعدها، تدفع الدولة بتدفقات جديدة تمتد إلى ما وراء القطاعات التقليدية".
كما يعزز التحول الرقمي في الإمارات جاذبيتها للشركات العالمية. فقد صنّفت بين أبرز الدول في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، والبلوكتشين، والفنتك، وتستضيف مراكز ابتكار مثل مدينة دبي للإنترنت، وسوق أبوظبي العالمي، ومركز دبي المالي العالمي. واستقطبت هذه المناطق الحرة أكثر من 1400 شركة متعددة الجنسيات منذ عام 2022، وفقاً لتقرير "توقعات الاستثمار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 2025" الصادر عن "إي واي"، والذي أشار إلى سهولة ممارسة الأعمال في الدولة، وموقعها الاستراتيجي، وبيئتها الضريبية الجاذبة.
ومع قيام المزيد من الشركات العالمية — من مايكروسوفت وسيمنز إلى يونيليفر وشلمبرجير — بتأسيس مقار إقليمية أو مراكز ابتكار في الدولة، بات تطور الإمارات من مركز تجاري إقليمي إلى قوة أعمال عالمية أمراً لا شك فيه.
وفي عالم تحدد فيه مرونة سلاسل الإمداد والحياد الجيوسياسي والجاهزية الرقمية التنافسية، يشكل التوازن الذي تتمتع به الإمارات بين الرؤية والاستقرار والاتصال ميزة مغرية للشركات العالمية. والرسالة المستقاة من البيانات واضحة: لم تعد الإمارات مجرد جسر يصل بين الشرق والغرب — بل أصبحت وجهة عالمية المستوى يُبنى فيها مستقبل الأعمال العالمية