

نشهد في جميع أنحاء العالم بشكل متزايد أحداثًا مناخية متطرفة، بدءًا من هطول أمطار قياسية وصولًا إلى ارتفاعات غير مسبوقة في درجات الحرارة. ولا يمكن لأي مدينة أو المباني التي تتكوّن منها أن تفلت بالكامل من الحقائق المتغيّرة لتغير المناخ.
ووفقًا لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، فإن المباني وقطاع الإنشاءات يسهمان بنحو 40 في المائة من الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالطاقة عالميًا. وهذا الرقم وحده يجب أن يجعل من البناء المستدام ممارسةً أساسية. ومع ذلك، لا تزال وتيرة التحول متفاوتة؛ ففي العديد من مناطق العالم ما زالت قوانين البناء قديمة، ويُنظر إلى الاستدامة على أنها ميزة إضافية أو عنصر فخم بدلاً من اعتبارها ضرورة عملية.
ومع ذلك، فإن التغيير جارٍ بالفعل. فقد جعلت الإمارات الاستدامة أحد الأعمدة الرئيسية في استراتيجيتها الوطنية للتنمية، مع مبادرات مثل استدامة في أبوظبي ونظام السعفات في دبي، واللذين يوجهان قطاع البناء نحو ممارسات أكثر وعيًا بالبيئة. كما بدأت المؤسسات المالية الكبرى بتغيير مسار استثماراتها، حيث ربطت تخصيص رأس المال بالأداء وفق معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية، وأصبحت تفضّل المشاريع التي تقلل الانبعاثات الكربونية وتعزز كفاءة الطاقة.
وبصفتي منخرطًا في مجال إعادة التطوير والتجديد، أرى أن هذه فرصة للقيام بعمل أفضل بدلاً من اعتبارها قيدًا تنظيميًا. إن المباني أصول طويلة الأجل، وأثرها البيئي لا ينتهي مع إزالة السقالات. فاعتماد ميزات مثل الطاقة الشمسية والمواد المسؤولة بيئيًا والتصاميم التي تستثمر بشكل صحيح الضوء والحرارة، يجعل المباني ببساطة أكثر ذكاءً واستدامة.
إن التصميم المستدام لا يعني أبدًا التضحية بالمنفعة أو الجمال. بل على العكس، فإن بعض الحلول الأكثر أناقة هي في الواقع الأكثر كفاءة. مثل تقنيات التبريد السلبي، والأسطح الخضراء، والتهوية المتقاطعة، والاستخدام الاستراتيجي للمواد المحلية—all تنبع من فهم المناخ والغاية. وأفضل المباني الصديقة للبيئة ليست تلك التي تجذب الانتباه، وإنما التي تعمل بكفاءة وبشكل أفضل بمرور الوقت.
وفي أعمالنا في مجموعة كالاداري، نقوم بدمج هذا النهج ضمن استراتيجيتنا لإعادة التطوير. ففي أحد أحدث مشاريعنا—a مجمع رياضي متعدّد الاستخدامات في دبي—يجري تطويره بما يتماشى مع المتطلبات الصارمة لشهادة السعفات الذهبية للمباني الخضراء. ومنذ المراحل الأولى للتخطيط، كانت الاستدامة هي البوصلة التي توجه جميع قراراتنا الرئيسية، بدءًا من أنظمة كفاءة الطاقة وتدابير حفظ المياه وحتى اختيار مواد البناء. جهود مماثلة تجري أيضًا في فندق راديسون بلو كالاداري، وهو مشروعنا الرئيسي في كولومبو، سريلانكا، حيث تركز عمليات التجديد على تحسين الأداء الطاقي. وبالتوازي، يجري تنفيذ مشاريع لتركيب أنظمة شمسية على الأسطح في عدة مرافق، ما يعزز التزامنا بالمسؤولية البيئية على المدى الطويل عبر محفظتنا الاستثمارية.
وبالطبع، فإن التقدم في هذا المجال لا يصاحبه دائمًا عناوين بارزة. فلا توجد مراسم ضخمة للكشف عن مبنى يستهلك طاقة أقل أو يستفيد على نحو أفضل من الضوء الطبيعي. ومع ذلك، فإن هذه الخيارات الصغيرة مهمة. فوفقًا لتقرير صادر عن شركة ماكينزي، يمكن أن تؤدي عمليات التجديد الموفرة للطاقة إلى خفض انبعاثات المبنى بما يصل إلى 50 في المائة، وغالبًا ما تكون العوائد على الاستثمار واضحة خلال فترة تتراوح بين خمس إلى عشر سنوات.
ومع ازدياد وعي الشركات ومالكي العقارات بقيمة الاستدامة، سنشهد انتشارًا أوسع لهذه الممارسات. لكن من أجل تحقيق ذلك، يجب أن يتغير الخطاب العام. فبدلاً من التساؤل: "هل يستحق الأمر أن نذهب نحو الاستدامة؟" يجب أن يكون السؤال: "ماذا نخسر إذا لم نفعل ذلك؟"