

منظر لأفق أبوظبي. ما يميز مبادرة أبوظبي هو تركيزها الصريح على الابتكار والتكنولوجيا إلى جانب البنية التحتية التقليدية.
يمثل قرار أبوظبي ببدء تشغيل منصة تمويل عالمية بقيمة ملياري دولار لمشاريع المياه تحولاً استراتيجياً في كيفية تمويل أمن المياه وحوكمته وتقديره، كما يضع دولة الإمارات في قلب اقتصاد المياه العالمي الناشئ بسرعة.
صُممت "منصة أبوظبي العالمية للمياه"، التي أطلقها صندوق أبوظبي للتنمية، لتعبئة رأس المال من المؤسسات المالية المحلية والدولية في وقت أصبح فيه الإجهاد المائي بسرعة أحد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية المحددة لهذا القرن. ومع التزام صندوق أبوظبي للتنمية بمبلغ أولي قدره مليار دولار بين عامي 2026 و2030 والسعي لجذب مبلغ مماثل من الشركاء، تستهدف المبادرة نحو 10 ملايين مستفيد عبر الاقتصادات النامية.
يقدر البنك الدولي أنه يجب تعبئة ما يصل إلى 7 تريليونات دولار عالمياً بحلول عام 2030 لتحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة - مياه نظيفة وصرف صحي للجميع - ومع ذلك فإن الاستثمارات السنوية الحالية تقل بمئات المليارات من الدولارات. ولا يزال أكثر من 90 في المائة من التمويل الحالي يأتي من مصادر عامة، مما يترك الحكومات مثقلة بالأعباء ويجعل التقدم غير متكافئ. ومن خلال إعطاء الأولوية الصريحة للتمويل المشترك والابتكار ومشاركة القطاع الخاص، تحاول منصة أبوظبي معالجة العائق الأكثر استعصاءً في هذا القطاع: تعبئة رأس المال.
وقد صاغ محمد سيف السويدي، مدير عام صندوق أبوظبي للتنمية، المبادرة كركيزة أساسية لاستراتيجية الصندوق لعام 2030، حيث تربط تمويل التنمية بالأمن المباشر للموارد على المدى الطويل. وتعكس دعوته للتمويل المشترك وتبادل المعرفة تحولاً أوسع في الفكر التنموي، حيث لم تعد المياه تُعامل كقضية إنسانية مستقلة، بل كبنية تحتية اقتصادية حيوية تدعم النظم الغذائية والصحة العامة والصناعة وتحول الطاقة.
إن التوقيت مهم للغاية؛ فوفقاً للأمم المتحدة، يعيش أكثر من ملياري شخص حالياً في بلدان تعاني من إجهاد مائي مرتفع، وهو رقم من المتوقع أن يرتفع بشكل حاد مع تكثيف تغير المناخ للجفاف وتعطيل أنماط هطول الأمطار واستنزاف طبقات المياه الجوفية. ويُقدر بالفعل أن ندرة المياه تكلف بعض المناطق ما يصل إلى 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً من خلال فقدان الإنتاج الزراعي والآثار الصحية وانخفاض الإنتاجية. وفي ظل هذا المشهد، فإن الاستثمارات التي تحسن الوصول إلى المياه النظيفة وتحدث أنظمة إدارة المياه تحقق عوائد اجتماعية واقتصادية هائلة.
وقالت فاطمة عتيق المزروعي، مدير دائرة الخدمات المساندة في صندوق أبوظبي للتنمية، إن المنصة تشكلت من خلال مقارنات عالمية ودراسات استراتيجية سلطت الضوء على ضرورة العمل الدولي المنسق. ويعكس تأكيدها على الاستدامة والشراكات إجماعاً متزايداً بين خبراء اقتصاد التنمية على أن الأساليب المجزأة القائمة على المشاريع الفردية غير كافية لمعالجة مخاطر المياه المنهجية.
ما يميز مبادرة أبوظبي هو تركيزها الصريح على الابتكار والتكنولوجيا جنباً إلى جنب مع البنية التحتية التقليدية. وتقدم تجربة الإمارات بحد ذاتها حالة للدراسة؛ فمع استمداد أكثر من 40 في المائة من مياهها الصالحة للشرب من تحلية المياه، تعد الدولة من بين أكثر دول العالم تقدماً في استخدام مصادر المياه غير التقليدية. وقد تم بالفعل تخصيص أكثر من 7.3 مليار درهم (ما يقرب من ملياري دولار) لمحطات تحلية المياه الجديدة، وفقاً لمركز دبي للسلع المتعددة، مما يؤكد كيف يمكن للاستثمار المستدام أن يحول الندرة إلى مرونة.
ويرى مايكل روتمان، الرئيس التنفيذي المشارك لشركة "باينونة لتوليد المياه"، أن هذه الميزة التكنولوجية تمنح الإمارات نفوذاً غير متناسب على مستقبل هذا القطاع. وقال: "بفضل موقعها الجيواستراتيجي وقدراتها اللوجستية وقيادتها المستشرفة للمستقبل، أصبحت الدولة بسرعة نواة لابتكار وتصدير تكنولوجيا المياه (aquatech)"، واصفاً الإمارات بأنها "منصة انطلاق كبيرة جداً للابتكارات المبتكرة" و"بوابة للعالم".
وبينما تظل التجارة الدولية المباشرة في المياه المادية محدودة، فإن بصمتها الاقتصادية تتوسع من خلال تدفقات المياه المعبأة وما يسمى بـ "المياه الافتراضية" - وهي المياه المدمجة في الغذاء والطاقة والسلع المصنعة. وتظهر بيانات مركز دبي للسلع المتعددة أن الإمارات استوردت أكثر من 94 مليون لتر من المياه المعبأة في عام 2023، بينما نصبت نفسها كمركز إقليمي لإعادة التصدير من خلال شبكتها اللوجستية.
وعلى نطاق أوسع، تشير التقديرات إلى أن ثلثي مياه المنطقة تنبع من خارج حدودها. ويسمح استيراد السلع كثيفة الاستهلاك للمياه مثل القمح والمنتجات الغذائية وحتى أشباه الموصلات لدول مثل الإمارات بالحفاظ على المياه العذبة المحلاة للقطاعات ذات القيمة الأعلى، من التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي إلى الخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة. ويتوقع مركز دبي للسلع المتعددة أنه بحلول عام 2100، يمكن أن تزيد تدفقات المياه الافتراضية بمقدار خمسة أضعاف، مما يعيد تشكيل استراتيجيات التجارة ويخلق تبعيات جيوسياسية جديدة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من القيمة الاستراتيجية المتزايدة للمياه، لا تزال أطر الاستثمار قديمة. فقليل من الدول تسعر المياه بشكل مجدٍ، ولا يزال التعقيد التنظيمي يعيق رأس المال الخاص.
ويضيف الخبراء: "هذا هو المكان الذي يمكن أن تثبت فيه منصة أبوظبي العالمية للمياه أنها محفزة. فمن خلال مزج التمويل الميسر مع رأس المال التجاري، ودعم الأبحاث والمبادرات التي يقودها الشباب، ودعم التقنيات القابلة للتوسع، فإن المنصة لديها القدرة على تقليل مخاطر الاستثمار وإظهار نماذج قابلة للتطبيق لمشاركة القطاع الخاص. وإذا نجحت، فلن تكتفي فقط بتوسيع نطاق الوصول إلى المياه النظيفة، بل ستساعد أيضاً في إعادة تعريف المياه كمورد قابل للاستثمار والإدارة بدلاً من كونها سلعة عامة مسعرة بأقل من قيمتها".