"ألفا جينوم".. ذكاء اصطناعي يقرأ "كتالوج" الحياة البشرية

يمثل قفزة إلى الأمام في القدرة على دراسة المخطط البشري. لكن التفاصيل الدقيقة لعمل حمضنا النووي لا تزال غامضة
يتكون الجينوم البشري من حوالي ثلاثة مليارات زوج من وحدات الحمض النووي تسمى النيوكليوتيدات. Olena_T عبر Getty Images/ نيويورك تايمز

يتكون الجينوم البشري من حوالي ثلاثة مليارات زوج من وحدات الحمض النووي تسمى النيوكليوتيدات. Olena_T عبر Getty Images/ نيويورك تايمز

تاريخ النشر

في عام 2024، تقاسم عالمان من شركة "غوغل ديب مايند" (Google DeepMind) جائزة نوبل في الكيمياء بفضل برنامج ذكاء اصطناعي يسمى "ألفا فولد 2" (AlphaFold2).

لعقود من الزمن، ناضل العلماء لفهم كيف تنطوي سلاسل اللبنات الجزيئية لتشكل الهياكل المعقدة ثلاثية الأبعاد للبروتينات. قام ديميس هاسابيس، وجون جامبر، وزملاؤهما في "ديب مايند" بتدريب برنامج للتنبؤ بهذه الأشكال؛ وعندما تم تقديم "ألفا فولد 2" في عام 2020، حقق أداءً فائقاً في هذه المهمة لدرجة أن العلماء في جميع أنحاء العالم اعتمدوه.

يقول أليكس بالازو، عالم الوراثة بجامعة تورنتو: "الجميع يستخدم ألفا فولد". واستخدم العلماء البرنامج لدراسة كيفية عمل البروتينات بشكل طبيعي — وكيف يمكن أن يؤدي فشلها في العمل إلى المرض. كما ساعدهم في بناء بروتينات جديدة تماماً، سيتم اختبار بعضها قريباً في تجارب سريرية.

الآن، يحاول فريق آخر من الباحثين في "غوغل ديب مايند" أن يفعل للحمض النووي (DNA) ما فعلته الشركة للبروتينات. رحبوا بـ "ألفا جينوم" (AlphaGenome).

في الأسبوع الماضي، كشف الباحثون عن "ألفا جينوم" في مجلة "نيتشر" (Nature). لقد قاموا بتدريب ذكائهم الاصطناعي على ثروة هائلة من البيانات الجزيئية، مما مكنه من تقديم تنبؤات حول آلاف الجينات. على سبيل المثال، يمكن لـ "ألفا جينوم" التنبؤ بما إذا كانت طفرة معينة ستؤدي إلى إيقاف تشغيل جين ما أو تشغيله في الوقت الخطأ — وهو سؤال محوري لفهم السرطان وأمراض أخرى.

وقال بيتر كو، عالم الأحياء الحسابي في مختبر كولد سبرينغ هاربور في نيويورك، والذي لم يشارك في المشروع، إن "ألفا جينوم" يمثل خطوة مهمة للأمام في تطبيق الذكاء الاصطناعي على الجينوم، واصفاً إياه بأنه "معجزة هندسية".

لكن كو وخبراء خارجيين آخرين حذروا من أن هذا يمثل مجرد خطوة واحدة في طريق طويل قادم. وقال مارك غيرشتاين، عالم الأحياء الحسابي في جامعة ييل: "هذا ليس ألفا فولد، ولن يفوز بجائزة نوبل".

سيكون "ألفا جينوم" مفيداً؛ فقد ذكر غيرشتاين أنه سيضيفه على الأرجح إلى مجموعة أدواته لاستكشاف الحمض النووي، ويتوقع آخرون أن يحذوا حذوه. لكن ليس كل العلماء يثقون في برامج الذكاء الاصطناعي مثل "ألفا جينوم" لمساعدتهم في فهم الجينوم.

يقول ستيفن سالزبرغ، عالم الأحياء الحسابي في جامعة جونز هوبكنز: "لا أرى أي قيمة فيها على الإطلاق في الوقت الحالي، أعتقد أن هناك الكثير من الأذكياء يضيعون وقتهم".

قبل عصر الكمبيوتر، أجرى علماء الأحياء تجارب مضنية للكشف عن القواعد التي تحكم جيناتنا. واكتشفوا أن الجينات مكتوبة بأبجدية جينية مكونة من أربعة أحرف تسمى القواعد. ولصنع بروتين، تقرأ الخلية التسلسل في الجين، والذي قد يمتد لآلاف القواعد. ولكن كلما درس العلماء الجينوم البشري، اتضح أنه أكثر تعقيداً وفوضوية.

فعندما تقرأ الخلايا جيناً ما، على سبيل المثال، فإنها غالباً ما تتخطى أجزاءً من تسلسله. ومن خلال هذه العملية، المعروفة باسم "التضفير" (Splicing)، يمكن للخلايا تكوين مئات البروتينات المختلفة من جين واحد. وتحدث مجموعة من الأمراض عندما تقوم الخلايا بتضفير جيناتها بشكل خاطئ. ولكن لا توجد علامة بسيطة للمواقع في الجينات التي يجب تضفيرها، لذلك قضى العلماء عقوداً في بناء كتالوج لها.

سؤال عميق آخر حول الجينوم هو كيف تختار الخلايا الجينات التي تستخدمها لصنع البروتينات. اكتشف العلماء جزيئات خاصة تمسك بالحمض النووي وتمده إلى حلقات معقدة. في بعض الحالات، تعرض الحلقات جيناً لآلية صنع البروتين في الخلية، وفي حالات أخرى، ينتهي الأمر بالجين مدسوساً في ملف.

يجب أن تهبط تلك الجزيئات بدقة على مساحات صغيرة من الحمض النووي للتحكم في الجينات. ويمكن أن يكون من الصعب العثور على هذه الأقفال الجينية لأنها غالباً ما تقع على بعد آلاف أو ملايين القواعد من الجينات التي تتحكم فيها. وفي عام 2019، شرع باحثون في "غوغل ديب مايند" في مشروع تطور ليصبح "ألفا جينوم". وبحلول ذلك الوقت، كان علماء الأحياء قد جمعوا كميات هائلة من البيانات، لا تشمل فقط 3 مليارات زوج قاعدي من الجينوم البشري، بل أيضاً نتائج آلاف التجارب التي تقيس نشاط الجينات في أنواع عديدة من الخلايا.

أمل الباحثون في "ديب مايند" أنه من خلال تدريب الذكاء الاصطناعي على هذه النتائج الموجودة، يمكنهم تطوير برنامج يقدم تنبؤات دقيقة حول مقاطع من الحمض النووي لم يسبق له رؤيتها من قبل. وقال زيغا أفسيك، عالم الأبحاث في "غوغل ديب مايند": "كان ذلك هو الهدف الصحيح بالنسبة لنا".

في عام 2021، كشف أفسيك وزملاؤه عن ذكاء اصطناعي أولي يسمى "إنفورمر" (Enformer)، والذي قاموا بتوسعته منذ ذلك الحين ليصبح "ألفا جينوم". لقد قاموا بتدريب البرنامج على نطاق أوسع من البيانات البيولوجية. وقال غيرشتاين: "إنه حقاً على مستوى صناعي".

تتعامل العديد من برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لدراسة الجينوم مع جانب واحد فقط، مثل التضفير. لكن "ألفا جينوم" تدرب على تقديم تنبؤات حول 11 عملية مختلفة. وفي التقرير الصادر يوم الأربعاء، أشار أفسيك وزملاؤه إلى أن "ألفا جينوم" قد حقق أداءً يضاهي أو يفوق البرامج الأخرى في جميع المجالات. وقالت كاثرين بولارد، عالمة البيانات في معاهد غلادستون في سان فرانسيسكو، والتي لم تشارك في الدراسة: "إنه يمثل قمة ما توصل إليه العلم".

وذكرت بولارد وباحثون آخرون أن "ألفا جينوم" بارع بشكل خاص في التعامل مع الطفرات، وقادر على التنبؤ بآثارها، مثل إيقاف تشغيل جين قريب. وفي أحد اختبارات الأداء، أضاف الباحثون طفرات إلى مقطع الحمض النووي الذي يتضمن جيناً يسمى "TAL1".

في الأشخاص الأصحاء، يساعد "TAL1" الخلايا المناعية على النضج حتى تتمكن من محاربة مسببات الأمراض. وبمجرد تطور الخلايا، يتوقف الجين عن العمل. لكن العلماء اكتشفوا أن الطفرات التي تبعد 8000 قاعدة عن "TAL1" يمكن أن تؤدي إلى تشغيل الجين بشكل دائم، وهذا التغيير يمكن أن يتسبب في النهاية في تكاثر الخلايا المناعية بشكل خارج عن السيطرة، مما يسبب سرطان الدم (اللوكيميا).

وجد أفسيك وزملاؤه أن "ألفا جينوم" قد تنبأ بدقة بتأثير هذه الطفرات على جين "TAL1". وقال أفسيك: "لقد كان من المثير حقاً رؤية نجاح هذه النماذج، يبدو الأمر كالسحر أحياناً".

شارك باحثو "ألفا جينوم" تنبؤاتهم حول "TAL1" مع الدكتور مارك منصور، اختصاصي أمراض الدم في جامعة كوليدج لندن، الذي قضى سنوات في الكشف عن الطفرات المسببة لسرطان الدم من خلال التجارب المختبرية. وقال منصور: "لقد كان الأمر مذهلاً حقاً، وأظهر مدى قوة هذا البرنامج".

لكن منصور أشار إلى أن قدرات "ألفا جينوم" التنبؤية تتلاشى كلما ابتعد نظره عن جين معين. وهو يستخدم الآن البرنامج في أبحاث السرطان الخاصة به، لكنه لا يقبل نتائجه بشكل أعمى، معقباً: "تظل أدوات التنبؤ هذه مجرد أدوات تنبؤ، لا نزال بحاجة للذهاب إلى المختبر".

أما سالزبرغ من جامعة جونز هوبكنز فهو أقل تفاؤلاً، ويرجع ذلك جزئياً إلى اعتقاده بأن مبتكري البرنامج وضعوا ثقة مفرطة في البيانات التي تدرب عليها. فالعلماء الذين يدرسون مواقع التضفير لا يتفقون على أي المواقع حقيقي وأيها مجرد سراب جيني، ونتيجة لذلك، أنشأوا قواعد بيانات تحتوي على كتالوجات مختلفة. وقال سالزبرغ: "يعمل المجتمع العلمي منذ 25 عاماً لمحاولة معرفة كل مواقع التضفير في الجينوم البشري، ولم نصل بعد إلى معيار ذهبي متفق عليه".

كما حذرت بولارد من أن "ألفا جينوم" لا يزال بعيداً جداً عن كونه أداة يمكن للأطباء استخدامها لمسح جينومات المرضى بحثاً عن تهديدات لصحتهم؛ فهو يتنبأ فقط بآثار طفرة واحدة على جينوم بشري قياسي واحد. وفي الواقع، يوجد بين أي شخصين ملايين الاختلافات الجينية في حمضهما النووي، ولا يزال تقييم آثار كل تلك الاختلافات في جسم المريض يتجاوز بكثير القوة "الصناعية" لبرنامج "ألفا جينوم".

وختمت بولارد قائلة: "إنها مشكلة أصعب بكثير — ومع ذلك، فهذه هي المشكلة التي نحتاج إلى حلها إذا أردنا استخدام نموذج كهذا في الرعاية الصحية".

موصى به

No stories found.
Khaleej Times - Arabic Edition
www.khaleejtimes.com