

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول خلال جولة في مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي يخضع حاليًا للتجديدات، في واشنطن العاصمة العام الماضي.
أصيب المستثمرون حول العالم بحالة من الارتباك يوم الاثنين مع تصاعد النزاع بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول ليتجاوز مجرد التصريحات الخطابية، حيث فتح مكتب المدعي العام الأمريكي في مقاطعة كولومبيا تحقيقاً جنائياً مع باول بشأن أعمال تجديد المقر الرئيسي للبنك المركزي في واشنطن.
ووفقاً لبيانات رويترز، انخفضت العقود الآجلة لمؤشري "S&P 500" و"Nasdaq" بأكثر من 0.6% قبل افتتاح السوق الأمريكية، مع ارتفاع مؤشر "VIX" (مقياس الخوف) بأكبر قدر منذ نوفمبر، بينما وصل الذهب - الذي يشتريه المستثمرون كتحوط ضد الاضطرابات والتضخم - إلى 4,600 دولار للأونصة.
ومع التشكيك حالياً في استقلالية البنك المركزي الأمريكي، التي كانت تُعتبر يوماً ما مقدسة، يخشى المستثمرون الآن من تداعيات عالمية أوسع نطاقاً. وينطبق هذا بشكل خاص على دول مجلس التعاون الخليجي، التي ترتبط معظم عملاتها بالدولار الأمريكي، وبالتالي تعكس سياستها النقدية بشكل وثيق سياسة الولايات المتحدة.
وقال إدوارد بيل، القائم بأعمال رئيس الاقتصاديين ورئيس الأبحاث في "إمارات دبي الوطني"، في مذكرة يوم الاثنين: "كنا نتوقع بالفعل أن يظل الفيدرالي يواجه ضغوطاً من البيت الأبيض، وأنه في عام 2026 سيكون هناك فعلياً (بنكان مركزيان)؛ الفيدرالي الحالي برئاسة باول وفيدرالي ما بعد شهر مايو عند تعيين رئيس جديد. لقد تسببت الانقسامات العلنية بين صناع السياسات بالفعل في تشويش رسائل الفيدرالي بشأن الاقتصاد، وهذا التهديد الجديد لحوكمة الفيدرالي من قبل الحكومة سيزيد من ضبابية حرية تصرف البنك المركزي".
ويعتقد المشاركون في السوق أن هذا التطور من المرجح أن يكون خطوة انتقامية لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية. وتنتهي ولاية باول في مايو 2026، وسيعلن ترامب عن خلفه هذا الشهر، ومن المرجح أن يعين ترامب شخصاً يشاركه تفضيله لتيسير نقدي أسرع. وقد عزز هذا المخاوف بشأن التدخل السياسي الذي قد يهدد استقلالية ومصداقية الفيدرالي. وقال فيجاي فاليشا، كبير مسؤولي الاستثمار في "سنشري فاينانشال"، لصحيفة "خليج تايمز": "إذا لم يتم حل هذا الموقف قريباً، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من تقلبات السوق، وعلاوة مخاطر أعلى على الأسهم، ومزيد من الضعف في العملة الخضراء (الدولار). قد نشهد أيضاً تدفقات أكبر نحو أدوات الملاذ الآمن مثل المعادن الثمينة وسندات الخزانة".
وبما أن اقتصادات مجلس التعاون الخليجي تحافظ في معظمها على ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، فإن أسعار الفائدة الإقليمية تتحرك بالتزامن مع الفيدرالي. وقد تبعت البنوك المركزية في المنطقة أسعار الفائدة المنخفضة من الفيدرالي في العام الماضي، ونتوقع أن يخفض الفيدرالي 75 نقطة أساس أخرى في عام 2026 وأن تحذو البنوك الإقليمية حذوه. وأضاف بيل: "تظهر مؤشرات النشاط لعام 2025 أن اقتصادي الإمارات والسعودية كانا يعملان بشكل جيد حتى مع وجود أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، لذا فإن حركة أخرى نحو خفض الأسعار ستكون موضع ترحيب ولكن من غير المرجح أن تؤدي إلى تسريع النمو بشكل ملموس لأي من الاقتصادين".
وبينما تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بحصانة كبيرة من عدم اليقين في السياسة العالمية، فمن المرجح الشعور ببعض التأثير على المدى القصير عبر قطاعات معينة في السوق، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى أن جميع العملات الخليجية، باستثناء الدينار الكويتي، مرتبطة بالدولار الأمريكي. وقال فاليشا: "يمكننا أن نتوقع معارضة قوية لترشيح ترامب لخليفة باول، مما قد يؤدي إلى زيادة علاوات مخاطر السوق".
وإذا تصاعدت حالة عدم اليقين بشأن سياسة الفيدرالي بشكل أكبر خلال الأيام القادمة، فقد يؤثر ذلك على القطاعات الخليجية الحساسة لأسعار الفائدة مثل البنوك والعقارات والشركات التي توزع أرباحاً. وأوضح فاليشا: "إن احتمال حدوث المزيد من التيسير النقدي يمكن أن يعزز الطلب على عوائد الأرباح المرتفعة، مثل تلك التي تقدمها الشركات الكبرى في الخليج. وبالمثل، فإن توقعات انخفاض تكاليف التمويل الإقليمية قد تخلق طلباً على المطورين العقاريين وصناديق الاستثمار العقاري (REITs)، خاصة مع احتمال انخفاض أسعار الرهن العقاري أيضاً. وبينما تميل أسعار الفائدة المنخفضة إلى الضغط على هوامش الفائدة الصافية للبنوك (NIMs)، فمن المرجح أن يتم تخفيف أي تأثير سلبي من خلال زيادة نشاط الإقراض. إن المناخ السياسي السليم والسياسات الصديقة للأعمال في المنطقة تجذب الأفراد والشركات، مما يخلق طلباً على الائتمان والاقتراض".
وأكد بيل أن ضعف الدولار الأمريكي، وبالتالي ضعف العملات الخليجية، له نتائج إيجابية وسلبية على الاقتصادات الإقليمية. وقال بيل: "تصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة، لكن الصادرات غير النفطية، وخاصة صادرات الخدمات، تصبح أكثر تنافسية نسبياً. كما أن منشأ واردات المنطقة يحتوي على حصة عالية من أسواق مثل الهند وتركيا حيث انخفضت قيمة العملات مقابل الدولار الأمريكي (والدرهم الإماراتي والريال السعودي) في عام 2025، مما عوض إلى حد ما ارتفاع العملات الأخرى".
ومع ذلك، يجب على المستثمرين في مجلس التعاون الخليجي تهيئة أنفسهم لزيادة التقلبات عبر فئات الأصول. وقال فاليشا: "إذا بدأت الأسواق في تسعير مزيد من النفوذ السياسي على عملية صنع القرار في البنك المركزي، فقد يتسبب ذلك في تقلبات حادة في العوائد العالمية. قد تنخفض العوائد قصيرة الأجل بسبب توقعات خفض الفائدة بينما قد ترتفع العوائد طويلة الأجل، مما يؤدي إلى زيادة انحدار منحنى العائد. وتعكس العقود الآجلة للأموال الفيدرالية بالفعل زيادة طفيفة في احتمالات خفض الفائدة لهذا العام".
ويقول المحللون إنه يجب على المستثمرين في دول الخليج إدارة المخاطر من خلال تنويع عوائد المحفظة. وأشار فاليشا إلى أن "التعرض لأسهم الزخم عالية المخاطر أو الأسهم الدورية يجب أن يتم موازنته من خلال تضمين مكونات دفاعية مستقرة وعالية الجودة. كما يجب الحفاظ على احتياطي من السيولة للاستفادة من أي تراجعات تصحيحية من خلال استراتيجية متوسط التكلفة بالدولار".
وبشكل عام، تتسم أسواق رأس المال في المنطقة بالمرونة، مع توفر النطاق الكافي والسيولة والمحركات الأساسية طويلة الأجل. وقال فاليشا: "إذا تسبب عدم اليقين في السياسة في انخفاض مؤقت في تدفقات المستثمرين الأجانب إلى المنطقة، فقد يتم الشعور بهزة قصيرة المدى في المؤشرات المحلية. لكن من المرجح أن تعود الأساسيات القوية طويلة الأجل إلى الصدارة، مما يدعم الاتجاه الصعودي الأوسع".
وختم بيل قائلاً إن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة على الطرف الطويل من المنحنى الأمريكي سيبقي ضغوطاً تصاعدية على تكاليف الاقتراض للمنطقة، "على الرغم من أن الملف الائتماني القوي بشكل عام في اقتصادات مثل الإمارات والسعودية والطلب القوي من المستثمرين على الإصدارات الإقليمية سيساعدان في إبقاء فروق الأسعار (Spreads) تحت السيطرة".